|
حقائق وذكريات أنصارية / في الذكرى العشرين لمجزرة
الأنفال
أبو ناتاشا
تمّر هذه الأيام الذكرى العشرين للهجوم الغادر(أنفال
السيئة الصيت) لقوات نظام البعث المنهار على كردستان
ليضيف فصلا آخر من قتل وتشريد الآلاف منالسكّان
الآمنين وتدمير قراهم .
قبل أن أبدأ بتذكير الحدث أرى من المهم ذكر بعض
الحقائق عن قوّات أنصار الحزب الشيوعي العراقي،التي
بدأت كقوة مقاتلة منظّمة بعد الإنقلاب الفاشي مباشرة
في شباط 1963،والتي أصبحت صرحا مهمّا للكفاح المسلّح
في كردستان.لقد خاض الأنصار الشيوعيون معارك بطولية
سواء على إنفراد أو مع فصائل بيشمةركة الحركة الكردية
الأخرى،ويشهد على ذلك مأثرة معركة هندرين التي خطط لها
وقادها الضبّاط الشيوعيون ومنهم الملازم خضر(أبو عائد)
والمرحوم الملازم أحمد الجبوري(أبو إزدهار) عام 1966
والتي أرغمت نظام عارف للدخول في مفاوضات مع قيادة
الحركة الكردية،مرورا بالكفاح المسلّح،أعوام 1967-
1968، في أهوار الجنوب وبطولات الأنصار وفي مقدّمتهم
الشهيد خالد أحمد زكي ومعارك أعوام 1979-1990، وأخيرا
المشاركة الفعّالة في معارك تحرير كردستان من رجس
البعث الفاشي عام 1991 .
أعيد تشكيل فصائل أنصار الحزب الشيوعي منذ مطلع عام
1979 ،أي قبل بدأ الحرب العراقية الإيرانية بسنة ونصف
السنة، بعد الإنهيار التام للجبهة بين الحزب الشيوعي
وحزب البعث (كانت بوادر الإنهيار،واضحة للعيان،في
نهاية عام 1976)،ولكن مبادرات الإلتحاق لتشكيل الفصائل
المسلّحة بدأت منذ خريف 1978 في مناطق أربيل
والسليمانية(منطقة سوران)،ثمّ إمتدت الى محافظة دهوك
وأجزاء من محافظة نينوى(منطقة بهدنان). في هذا العام
بالذّات،1979، دخل ما يقارب المليون عراقي أقبية أمن
ومخابرات ومقرّات حزب النظام الفاشي المنتشرة في مدن
العراق من رجال ونساء ومن مختلف القوميّات والطوائف
بتهمة الإنتماء أو مناصرة الحزب الشيوعي
العراقي،واختفى الكثير منهم حتى يومنا هذا، بينما عثر
على رفاة قسم آخر في المقابر الجماعية التي أكتشفت
وتكتشف بعد زوال النظام الفاشي. ولم تقرر اللجنة
المركزية للحزب تبني أسلوب الكفاح المسلّح إلاّ في
إجتماعها المنعقد في تشرين الثاني 1981،حينها كان
الأنصار الشيوعيون ينزلون بقوّات النظام الفاشي
وأزلامه خسائر فادحة الى جانب قوّات بيشمةركة الأحزاب
الكردية،وجاء هذا التأخير بسبب عدم عدم إلتئام اللجنة
المركزية وعدم قناعة البعض من أعضاءها بالكفاح المسلّح
.
ملخّصا شديدا ولبعض الحقائق :
- تشير الإحصائيات الموثّقة الى إستشهاد أكثر من
1100(ألف ومائة) نصير منذ عام 1979،وأعيد دفن رفاة
أكثرهم في مقابر شيّدت لهم في محافظتي أربيل
والسليمانية وفاء لهم من حزب الشهداء.وما هذه المقابر
إلاّ وثيقة أخرى لمن يحاول التغاضي عن شهداء
الحزب،وخاصة ،من الذين تأسست أحزابهم خارج
الوطن،فالشمس لا تحجب بغربال وإن طال الزمن .
- كان الأنصار الشيوعيون يمثلون أطياف المجتمع
العراقي، الذي سادته طيلة عشرات القرون أواصر الإلفة
والمحبة،من رجال ونساء،عرب وأكراد،كلدان وآشوريين
وسريان،تركمان وأكراد فيليين وأرمن،مسلمين سنة
وشيعة،مسيحيّين وصابئة ويزيديين وشبك،عمّال
وفلاّحين،طلاّب من مختلف المراحل الدراسية ،عسكريين
جنود وضبّاط من مختلف المراتب،أدباء وشعراء وصحفيين
وفنّانين ورياضيين وحملة الشهادات الجامعية والعالية
.إنّهم عكسوا بحق،وبوضوح تام،الرابطة التأريخية
للتآخي العراقي التي لم ولن يستطع لا الغزاة ولا
المحتلّون ولا الطامعون في السلطة والمال من ثنيها.
كان الأنصار الشيوعيون تربطهم بطيفهم هذا أفكار وأهداف
واحدة : إسقاط النظام الدكتاتوري وإقامة نظام ديمقراطي
عادل ينهي آثار الدكتاتورية وينبذ كلّ ما يسوء الى
وحدة العراقيين ومصادرة حرياتهم والمضئ نحو المجتمع
الإشتراكي .
- مشاركة المرأة في حمل السلاح جنبا الى جنب مع الرجل
وخوضها معارك بطولية ضدّ قوّات النظام ومرتزقته
واستشهاد الكثير منهنّ،مما زاد في إحترام الجماهير
للأنصار الشيوعيين .
- نفذّ الأنصار الشيوعيون مئات العمليات العسكرية التي
يشهد لها الشعب الكردي وقادة الأحزاب الكردية،كما
كانوا ينسقّون مع فصائل بيشمةركه الأحزاب الكردية لخوض
معارك أخرى ضد قوّات النظام وأزلامه من الإستخبارات
والجحوش (أطلق عليها النظام- الأفواج الخفيفة) وتدخل
الرعب في صفوفهم . بهذه الجرأة والشجاعة إستطاع
الأنصار الشيوعيون كسب ودّ وإحترام الشعب
الكردي،فانخرط الكثير من الشباب في حركة الأنصار
ليتعزز دورها أكثر فأكثر،رغم أنّ الحزب،وفي فترات
معينة،كان مغيّبا قسريا في بعض مناطق كردستان .
- رغم الأعمال البطولية التي قام بها الأنصار لكسر
شوكة النظام الفاشي إعترت الحركة أخطاء،غالبيتها
تتعلّق بالإمكانيات الذاتية،وخاصة القيادية
منها،وتقّلب الظروف الموضوعية ومنها حالات الإقتتال
بين فصائل البيشمةركة،ومثال على ذلك إعتداءات باشتاشان
على مقرّات أحزاب الجبهة الوطنية الكردستانية في 1
أيار 1983،مما أرهق الحركة المسلّحة في كردستان وزعزعت
ثقة أوساط واسعة من الشعب الكردي مما مهدّ الطريق
أمام سلطة البعث عقد صفقات مع رؤساء العشائر
الكردية،التي كانت تهاب قوّات البيشمةركة والتعاون معه
لتشكيل ما سمي بالأفواج الخفيفة. وانحسر بذلك توافد
الشباب للتطوع في صفوف قوّات البيشمةركة . كلّ هذا
أعاق تطورعموم الحركة المسلحة في كردستان،ولم يستطع
الحزب سوى تنفيذ الجزء القليل من أهدافه،وفي مقدّمتها
تعريق الكفاح المسلّح وبناء تنظيمات حزبية قوية في مدن
وقرى العراق كافة .
- إستطاعت السلطة الفاشية التعتيم على الكفاح المسلح
في كردستان بإعلامها الغوبلزي "كذّب ثم كذّب ثم كذّب
حتي يصدّقك الناس"،فكانت تغتصب ثروات الشعب لتشتري بها
أناس من لاضمير وشرف لهم وتحتكر فرقا إعلامية ومحطات
إذاعة وتلفزة وصحف ومجلاّت،مستخدمة لذلك أحدث
التكنولوجيا . وكشفت الأحداث بعد سقوط النظام، أخطبوط
النظام الإعلامي داخل وخارج العراق. كلّ ذلك مقابل
إعلام بسيط ومتواضع للحزب الشيوعي الذي لم يكن بمقدوره
تغطية آرائه وبرامجه وأعماله البطولية ضدّ ذلك النظام
البشع الفاسد المتهوّر وإيصال صوته الى كلّ الشعب،مع
العلم كان للحزب رفاق متمكنين لايبخلون براحتهم وصحتهم
والعمل لساعات طويلة من أجل ايصال صوت الحزب الى أقصى
قرية عراقية . كان للنظام علاقات جيّدة مع الشرق
والغرب،والتي لم تر فيه سوى مصالحها الأنانية وأخذت
تذرف دموع التماسيح على الشعب العراقي بعد أن فرضت
عليه حصارها المميت . أسهمت كل تلك العوامل في إضعاف
دور الحزب وأعاق تطور نضاله وانحسرت دائرة التضامن معه
رغم تعرّضه الى حملة إبادة غير مسبوقة منذ تأسيسه،بعكس
حركة التضامن العالمية معه عندما تعرّض الى حملة إبادة
على يد نفس البعث الفاشي قي إنقلاب شباط الأسود عام
1963،والذي لم يدم سلطانه سوى تسعة أشهر وتسعة أيّام
.
- إستخدمت سلطة البعث كل أنواع الأسلحة المحرّمة
دوليا،باستثناء النووية منها لأنها لم تكن بحوزتها
آنذاك،ضدّ تشكيلات قوّات البيشمةركة. ففي آيار 1987
قام سرب من طائرات النظام، ولأوّل مرّة، بقصف مقر قاطع
بهدنان للأنصار الشيوعيين في زيوة على نهر الزاب
بالأسلحة الكيمياوية واستشهد خلالها الرفيقين أبو فؤاد
الذي كان عائدا لتوّه من العلاج إثر تسممه بالثاليوم
على يد المخابرات العراقية وأبو رزكار(مهمدس- ماجستير
نفط) وإصابة أكثر من 120 نصيرا آخر توفي البعض منهم
خلال فترات مختلفة،ولم يتحرّك حينها الضمير العالمي
وكان نظر وسمع الأمم المحدّة وقتها "في إجازة"،بينما
كانت دول الخليج "الشقيقة" تغدق على النظام بملياراتها
ليقوم يتيم الفاشية بتوزيعها يمينا وشمالا لإخماد
الضمائر وشراء الذمم وتقوية قطعان حمايته وتوديع القسم
الآخر في حساباته السريّة في البنوك الغربية .
- أصبحت حركة الأنصار جزءا مهما من تأريخ نضال الحزب
الشيوعي العراقي ضدّ الأنظمة العميلة والفاسدة من أجل
نظام ديمقراطي عادل يقرّ حقوق الطبقات الكادحة .
لذا يتوجب توثيق تأريخ الحركة الأنصارية الحافل
بالبطولات والتضحيات الجسام ليتسنى لجماهير شعبنا
التعرف على أحد جوانب نضال الشيوعيين العراقيين
لتقارن، وبشكل موضوعي،بين مختلف آراء وأفكار وتأريخ
التيّارات والحركات السياسية العراقية وعقلانية
برامجها،وخاصة نحن نخوض معركة الديمقراطية في ظروف
بالغة التعقيد يسودها الإرهاب والإحتلال والفساد .
إذن،علينا إستغلال هذا الحيّز من الديمقراطية
"المحصصّة" لطرح الحقيقة أمام جماهيرنا التي غيّبت
عنها لفترة أكثر من أربعة عقود لتتمكّن وبملإ إرادتها
إختيار من سيمثّلها ويدافع عن حقوقها المستباحة .
- لاأتّفق مع الآراء التي تدّعي بأنّ سبب إستمرار
الحركة المسلّحة في كردستان هو الحرب العراقية
الإيرانية. لأنّ فصائل البيشمةركة ومنها أنصار الحزب
الشيوعي العراقي تشكّلت قبل بدأ الحرب بحوالي سنتين
وأنزلت ضربات قوية بقوّات النظام، ولكن لا أدّعي بإنّ
هذه الحرب لم تساعد في تقوية هذه الفصائل، والأمر
الآخر والأهمّ هو الأخطاء التي أشرت إليها أعلاه .
1
بدأت الأنفال السيئة الصيت قبل توقّف الحرب العراقية
الإيرانية بحوالي ستة أشهر أي في نهاية شباط 1988 وحتى
منتصف أيلول نفس العام،وعيّن صدّام إبن عمّه علي حسن
المجيد(نائب عريف فاشل سابقا)،الملّقب - علي الكيمياوي
بمنصب "أمين سرّ مكتب الشمال لحزب سلطته" ومنحه
صلاحيات خاصة حزبية وعسكرية . غيّب النظام خلال
الأنفال هذه أكثر من200000(مائتي ألف ) مواطن من
كردستان من قتل بشتى أنواع الأسلحة،ومنها السلاح
الكيمياوي، وتشريد وسجن ودفن الكثير منهم في مقابر
جماعية،واستخدم لهذا العمل الإجرامي قطعات من الجيش
والإستخبارات والأفواج الخفيفة بزعامة رؤساء العشائر
الكردية . وفي يوم 16 آذار قصفت طائرات النظام مدينة
حلبجة بالسلاح الكيميائي إستشهد فيها أكثر من 5000
مواطن كردي وجرح زهاء 25000 مواطنا آخر. بسبب الظروف
المعقدة والخطيرة إضطرّت بعض الأحزاب الكردية
الدخول في جبهة،والتي كان الحزب الشيوعي ينشط منذ
وقت لقيامها،في شهر آيار 1988 وسميت بالجبهة
الكردستانية العراقية،تألّفت من الحزب الشيوعي العراقي
والحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني
الكردستاني وحزب الشعب الديمقراطي الكردستاني والحزب
الإشتراكي الكردستاني . جاءت الجبهة في وقت متأخر
جدا،لأنّ الجبهة ليست مجرد حاصل جمع بين الأحزاب،بل هي
برنامج مدروس يجري الترويج له بين الجماهير ثمّ عمل
متعدد الجوانب،وخاصة العسكري منه . وهذا العمل يأتي في
ظروف معقدّة للغاية،حيث لازالت آثار أحداث باشتاشان
قائمة وآلاف الشباب الكرد زجّوا فيما سمي بالأفواج
الخفيفة تجاوز عددهم أضعاف قوّات البيشمةركة والنظام
مستمر في عمليات الأنفال والناس تلجأ لإختراق الحدود
الإيرانية والتركية للخلاص من جحيم الأنفال.الأحداث
تتسارع والوقت لايرحم . ففي 8 آب وافق خميني على وقف إ
طلاق النار،وفي 20 آب دخل حيّز التنفيذ،مما مهّد
للنظام البعثي إمكانية سحب المزيد من قوّاته من الجبهة
الإيرانية وزجّها لإكمال عملية الأنفال في
كردستان،ووصل عدد القوّات حوالي 200000(مائتي ألف)من
أفراد الجيش تتألف من الفيلق الأول والثاني والخامس
والحرس الجمهوري والحرس الخاص والمغاوير وما يسمّى
بالجيش الشعبي بالإضافة الى الأفواج الخفيفة،واستخدمت
كافة أنواع الأسلحة الثقيلة ومنها الأسلحة الكيمياوية
.
الحديث الذي أريد تذكيره،هو الأيّام الأخيرة من تواجد
قوّات أنصار الفوج الأول للحزب الشيوعي وعوائلهم
المهجّرة في كلي مراني أحد أخاديد جبل كارة في منطقة
بهدنان وسكان القرى الآمنين الذين تهيأوا للرحيل منذ
سماعهم أخبار نيّة النظام المبيّتة بإجتياح مناطقهم
واستباحة كل من فيها من أناس وممتلكاتهم . لم تكن
قوّات البيشمةركة للحزبين الشيوعي والديمقراطي
الكردستاني في وضع تستطيع مقاومة ذاك الكم الهائل من
قوّات وآليات النظام تدعمها طائرات قاصفة وعمودية
بسبب قلّة عددها وقلّة الأسلحة الثقيلة،وخاصة
المضادّة للدروع والطيران. وكان مقري فوج الأول
والثالث لأنصارالحزب الشيوعي مثقلين بسبب تواجد
العوائل المهجرة قسرا من قبل النظام وغالبيتها من
الأطفال والنساء والمسنين والمرضى من الأنصار وهم
بحاجة الى رعاية وجماية،مع العلم كان بيشمةركة الحزبين
مستعدين للمقاومة والإستبسال في المعارك مثل كلّ مرّة.
كنّا نسمع أخبار المعارك الدائرة بين قوّات البيشمةركة
وقوّات النظام في منطقة السوران،وخاصة في منطقة
خواكورك (المثلث العراقي التركي الإيراني) ،والتي
إشتدت منذ 19 تمّوز واستمرّت حتى بداية شهر أيلول1988
أنزلت خلالها قوّات البيشمةركة أفدح الخسائر بقوّات
النظام قبل أن ينهي أنفاله السيئة الصيت. ولكن قوّات
البيشمةركة أعيد إنتشارها في منطقة السوران وانسحب قسم
منها الى الأراضى الإيرانية والتركية . في هذه الأثناء
كنّا نتجوّل في مختلف قرى بهدنان،وكان الحديث مع
الأهالي يدور حول موضوع واحد : ما العمل وقوّات النظام
سوف تجتاح المنطقة وقضية إستخدام السلطة للسلاح
الكيمياوي تتداول على ألسن الصغار والكبار...مع ذلك،
كان البعض يشجّع على المقاومة ودعم قوّات البيشمةركة
بالمتطوعين مستمدّين حديثهم من صمود المقاومة البطولية
للبيشمةركة في المعارك الدائرة في سوران وردّ العدوان
الذي قامت به قوّات النظام ومرتزقتها من الجحوش على
مقّر الفوج الأول في مراني ومقر الديمقراطي الكردستاني
في سيدةرة شتاء 1986/1987 . لكن الأوضاع الآن غير ما
كانت عليه قبل حوالي سنتين،وإنّ المجتمع الدولي،وخاصة
الولايات المتحدّة، يصمّ آذانه عن جرائم البعث بما
فيها إستخدامه للسلاح الكيمياوي،بل وكان النظام يتلقى
الدعم من قبل بعض الأنظمة والمنظمات والأحزاب العربية
القومية والدينية المتطرفة .
بدأت بوادر تحشيدات السلطة لقوّاتها ومرتزقتها في
بهدنان بعد دخول إتفاقية وقف إطلاق النار بين العراق
وإيران حيز التنفيذ في 20/10/1988، وبدأ أنصار الفوج
الأول المتشرين في بعض قرى بهدنان التوافد على مقّر
الفوج لتقديم المعلومات المستوفات من أهالي المنطقة
ومواقفهم من الوضع الجديد . إنّ الأوضاع المستجدة لم
تكن لتسمح بطرح عدة خيارات ومناقشتها لأنّ الوقت يمّر
بسرعة، بسرعة تقدّم قوات النظام المغيرة مستهدفة
مقرّات قوّات البيشمةركة والقرى وسكانها،وكانت طائرات
النظام قد أسقطت كميّات كبيرة من الأصباغ بالقرب من
مقرّاتنا ويظهر كانت هذه العملية لتحديد أماكن تواجد
الأنصار وتحديد مناطق الخطر للقوّات المتقدمة . لم يكن
أمام أنصارنا سوى حذو حذوه سكان القرى الذين بدأوا
بالنزوح قبل هذا الوقت للنجاد بحياتهم حاملين معهم
الأطفال الصغار وما خفّ وزنه من أكل وفراش بهدف الوصول
الى الحدود التركية أو الإيرانية . كان الإتّجاه هو
بحث الموقف المتردّي مع قيادة بيشمةركة الديمقراطي
الكردستاني في المنطقة لأننا حلفاء في جبهتين والتنسيق
معهم ضروري لطريقة الإنسحاب ومساعدة الأهالي الذين ما
زالوا باقين في قراهم،فوجئنا بأنهم قد إنسحبوا بدون أن
يعلموننا بذلك من مقرّهم في كلي سيدةره، فقررّت محلية
نينوى للحزب الشيوعي،وكان سكرتيرها الرفيق أبو سالار-
وكيل وزارة الخارجية حاليا،في إجتماعها يوم 24/8
الإنسحاب صباح يوم 26/8،بعد تناول الفطور بإتّجاه مقر
قاطع أربيل في كافيه على أن يتمّ إرسال عوائل
الأنصار(32عائلة- 200 فردا) الى مقرّ الفوج الثالث في
كلي هسبة(أجد أخاديد جبل متين) مساء يوم 25/8،واستعدّ
أنصار الفوج لإستقبالهم على أن يتمّ إرسالهم بسرعة .
تمّ إختيار مجموعة من أنصارنا لمرافقة العوائل
لإيصالهم الى الفوج الثالث،لأنّ المهمة كانت حسّاسة
وذات مسؤولية كبيرة . بدأت مسيرتهم أثناء الغروب يوم
25/8 . إنتظرنا برقية من الفوج الثالث صباح اليوم
التالي26/8 بوصول العوائل اليهم بسلام . رغم هدوء تلك
الليلة لم يدخل النوم الى أجفاننا،لأننا لانعلم ماذا
سيكون الوضع عليه بعد ساعة،وفي حوالي منتصف الّليل قدم
أحد الرفاق المرافقين للعوائل ليخبر قيادة الفوج بعدم
تمكّنهم من عبور الشارع بين سرسنك ومدينة العمادية،حيث
سيطرت عليه آليّات النظام الثقيلة(دبابات ومدرّعات
ومدفعية وناقلات جنود) وبعد قليل سمعنا صراخ ألأطفال
وصياح النساء وهم في طريقهم الى مقّر الفوج وانتابهم
التعب والإرهاق لأسباب نفسية وجسدية
. لقد تأخّرنا . أمّا المحاولة الثانية كانت
عصر يوم 26/8 بعد أن أخذت العوائل قسطا من الراحة
ليتمّ إرسالها الى مقّر قاطع أربيل لأنصارنا في قرية
كافيا على أن ينسحبوا مع أنصار قاطع أربيل ثمّ بإتّجاه
الزاب ثمّ .... . سألت سكرتير المحلية،لماذا
لاننسحب سويّة مع العوائل ،فردّ بأنّ العوائل تسير
ببطؤ ونحن سننطلق صباح غد بعد الفطور ولو تأخّرنا يوم
واحد ونلحق بهم في الطريق. يا لها من نزهة!!
توجّهت العوائل الى قاطع أربيل وأنصار الفوج الأوّل
ينتظرون وجبة فطور اليوم التالي .
كانت ليلة 26/27 هادئة والحراسات مستمرّة كالعادة
وأغلب الأنصار نائمين فوق سطوح القاعات،ولكن لاأعتقد
بأنّ أحدا منهم يستطيع النوم بسبب الظروف الخطيرة . في
حوالي الساعة الثانية ليلا شقّ الهدوء صوت قذيفة قريبة
من المقرّ .أسرعنا نحو نقطة الحراسة وتمّ الإتصال
بربيئة مقرّ القاطع من قبل الرفيق توفيق وأكدّ رفاق
الربيئة بأنّ القصف بإتجاه مقرّنا . إضطرينا في تلك
الليلة بعد فطور سريع ترك مقّر الفوج بإتّجاه قاطع
أربيل،وكلفّ بمهمّة قيادة المجموعة(حوالي 100 نصير)
أحد الرفاق الذي إعتذر عن ذلك . بدأنا السير في حوالي
الساعة الرابعة صباحا مرورا بقرية آطوش.
كانت آطوش قرية حاضنة لعدد من عوائل الأنصار،كانت تدخل
الفرحة في قلوبنا عندما كنّا نقصدها ،حيث صيحات
الأطفال وضحكاتهم وبكائهم وأصوات الكبار وبساتينها
وأزهارها الجميلة ودعوات العوائل لنا بالجلوس لشرب
الشاي وتناول أطراف الحديث عن مايجري في بلدنا المثقل
بكابوس البعث . أمّا في هذه المرّة كانت القرية حزينة
وكأنّها تعاتب أهلها الذين غادروها مجبرين منتظرة
أجلها المحتوم على أيدي أيتام هتلر لتلتحق بآلاف القرى
الكردستانية التي أزيلت من الوجود . كنّا آخر مجموعة
تسلك ذات الطريق الذي سلكه ألآلاف من أهالي القرى
والمحفوف بمخاطر لايمكن التنبأ بها. بعد أن تعدينا
آطوش وعند أحد فروع نهر الزاب كانت هناك بعض العوائل
مع الأطفال مفترشين الأرض لنيل قسط من الراحة، وعندما
سألوهم رفاقنا عن وجهتهم ، كان الجواب : لاندري ربما
الحدود التركية مع الآلاف التي أمامنا. ونحن نسير
بإتّجاه كافيا أخذ عدد الناس بإزدياد،وقسما منهم يسير
بعكس الإتّجاه .ثمّ جاءنا الخبر الأكيد من رفاقنا بأنّ
عوائلنا لم تستطع الوصول الى هناك لأنّ الجيش والجحوش
إحتلّوا مقر قاطع أربيل،وكان الأنصار قد أخلوا القاطع
قبل وصول قوّات النظام بساعات . لقد تأخّرنا مرة
أخرى .
لنعود
قليلا الى الوراء لنتحدّث عن أسباب هذا
الإخفاق،وليس المقصود هنا تجيير الأخطاء والإخفاقات
على هذا المسؤول أو ذاك، وكنت أيضا في لجنة محلّية
نينوى التي تقود العمل الحزبي والعسكري،أي أتحمّل قسطا
من تلك الأخطاء،كما من الضروري قراءة الماضي بشكل نقدي
للأستفادة منه لأنّنا نمرّ في مرحلة مرشحّة لكل
الإحتمالات. الأخطاء والإخفاقات المّارة الذكر كانت
نابعة من طبيعة عملنا بسبب التأّخر في إتّخاذ القرارات
وأحيانا بفرض قرارات فوقية والتلكأ في تنفيذ بعضها أو
التأخير بإيجاد آلية لتنفيذها وكثرة الإرتياحات
الشخصية والنفرزة من هذا وذاك . فقرار دمج التنظيم
الحزبي والعسكري في قيادة واحدة جاء متأخرا،رغم
صحته،وفي ظروف صعبة جدا، وجاء تطبيقه عبارة عن حاصل
جمع بين قيادتي التنظيمين وبدون دراسة جيّدة . إنّ
قرار الدمج جاء في بداية الأنفال،مما كان يستوجب
القيام بدراسة جدية للتنظيم الأنصاري وإعادة هيكلته
والعمل على إفراغ المقرّات من العوائل والمرضى
وإرسالها الى الخارج والإعتماد على مجموعات أنصارية
صغيرة وخفيفة من الشباب سريعة الحركة تتناسب والظروف
المعقدّة التي بدأت تتلبّد منذ نهاية عام 1987. جاءت
هذه الإخفاقات (بعد إطّلاعي على "أوراق الراحل توما
توماس"وإنتقادات بعض الذين كانوا في سدّة القيادة في
مقالات وأحاديث) بسبب عدم وجود قيادة مؤهلّة لقيادة
العمل الأنصاري وخلافات حادّة في قيادة الحزب . كان
قرار الإنسحاب من بهدنان هو الآخر جاء متأخرا،وخاصة،
الفوج الأوّل (ملاحظة : أن محلية الشيخان للحزب
الديمقراطي الكردستاني كان من المفروض عليها، ونحن
حلفاءها،أن تخبرنا على الأقل بنيّة إنسحابها وتركها
الجماهير التي قمنا ،نحن الأنصار الشيوعيين، بواجبنا
تجاهها،وكانت نفس محليّة الشيخان سلكت نفس السلوك
أثناء الهجوم على مقرّنا في مراني ومقرّها في كلي سي
دره شتاء 1986/1987 من قبل النظام) . لقد كانت فكرة
سكرتير محلية نينوى بعدم مرافقة أنصار الفوج الأول
للعوائل للإنسحاب سويّة وتكليف الأنصار الآخرين بهذه
المهمّة خاطئة تماما مهما كانت الحجج،وبشكل عام،كانت
تشكيلات الأنصار تفتقر أصلا الى خطط للطوارئ . لقد
دفعت عوائل أنصارنا الثمن باهضا كلّفها حياة 200
فرد،17 من الأطفال الرضّع أصغرهم الطفلة وعمرها
40 يوما... يا للجريمة البشعة!!! لم يتمّ لحدّ الآن
العثور على رفاتهم رغم كشف حواي 300 مقبرة جماعية
لمئات الألوف من ضحايا النظام الفاشي،من مختلف مكوّنات
الشعب العراقي السياسية والإجتماعية .
أخذت الجموع تتراجع وأصوات الصياح والبكاء تتعالى من
الصغار والكبار،وخاصة عندما تسمع أصوات الأسلحة
الرشاشة والقذائف القادمة من خلف القمم المحيطة
بنا،وأخذ القسم من هذه الجموع يلقي اللوم على قيادات
البيشمةركة والقسم الآخريسأل لماذا وصلنا الى هذه
الحالة والآخر يلعن النظام. لقد سدّت أمامهم كلّ الطرق
المتاحة للهروب وأصبحت سلسلة جبل كارة محاطة بقوّات
النظام، وليس من الغريب أن تنهار معنوياتهم. بدأت
الناس ومعها عوائل أنصارنا تتجمّع حولنا وأخذ الرفاق
في تهدئتهم والتريث لحين ايجاد حلول قد تؤدّي للخروج
من المأزق. قررت محلية نينوى التوجّه الى أخاديد جبل
كارة لأخذ قسط من الراحة والإحتماء بها ثمّ تداول
الوضع وسط هذا الحشد من الناس الذي قدّر
بحوالي25000(خمسا وعشرين ألفا), كان الأطفال أكثر
حضورا وأعمارهم متفاوتة من رضيع حديث الولادة فصاعدا
ويملأون المكان بلعبهم وأصواتهم وعلى محياهم برائتهم
غير آبهين بما يحدث حولهم. وكان الرجال يتسللون الى
القرى لجلب المزيد من الأكل والأفرشة لعوائلهم التي
تركوها قبل أيّام وحتى الدجاج والأغنام لسدّ رمقهم
وحمايتهم من برد الليل. بدأت حالات مرضية لدى البعض من
الناس, وخاصة الأطفال،فكان الرفيق باسم طبيب الفوج
الأول يقوم بواجبه خير قيام حسب ما هو متوفّر لديه من
الأدوية وإعطاء الإرشادات ويساعده في ذلك الرفيقات
النصيرات .
أمّا الشباب كان قسما منهم من البيشمةركة الذين بقوا
مع عوائلهم ويحملون السلاح الخفيف(الكلاشنكوف)،وأعطيت
التعليمات بعدم إطلاق النار وعدم إثارة أيّة أعمال
ملفتة للنظر لتلافي الصدام مع قوّات النظام وتعريض هذا
الجمع الكبير من الناس الى خطر الإبادة الجماعية،وكان
الإلتزام بالتعليمات والهدوء هما المهيمنان .
بعد تداولات مكثّفة قررت لجنة محلية نينوى إرسال
مجموعات من الأنصار تأخذ كل مجموعة على عاتقها إيجاد
الطريق السالك الى حدود دول الجوار وإبلاغ الآخرين
لولوج نفس الطريق. توجّهت أول مجموعة متكونة من 14
نصيرا الى منطقة الدوسكي وبمسؤولية الرفيق أبو سلوان
والدليل ألند بإعتباره من أهل المنطقة،على أن تتوجّه
الى سوريا عبر الأراضي التركية. والمجموعة الثانية
تتكون من 14 رفيقا من أهالي مدينة العقرة،بإستثناء
الرفيقين هوبي وسالم ساجت وأنا على أن تتوجه الى منطقة
السوران عبر نهر الزاب الكبير وبمسؤولية الرفيق كروان
عقراوي (عضو محلية نينوى للحزب الشيوعي آنذاك،حاليا
مدير عام فضائية
KURDSAT).
أمّا الباقون يتوجهون الى سهل الموصل على شكل مجموعات
لإيجاد الطريق الى سوريا وتنظيم إجلاء العوائل. هكذا
رسمت لنا الصورة وبدأنا حالا في تنفيذها،ولكن بدون علم
سابق حول مخاطر الطريق لأنّ النظام نشر قوّاته بكثافة
وعلى مساحات شاسعة،لذك كان علينا القيام بالإستطلاع
والتنفيذ في آن واحد .
2
يوم 3 أيلول وقبل غروب الشمس توجّهت مجموعتنا نحو
الزاب الكبير بإتّجاه قرية باني،وقبل وصولنا الى
القرية فاجأنا الرفيق كاروان بأنّه سيتوجّه الى مدينة
العقرة مع أحد رفاق المجموعة حسب الإتّفاق مع الرفيق
أبو سالار،فقلت له بأنّه لم يكن هناك حديث حول هذا
الموضوع،فردّ بأنّ القضية خاصة ولم يكن هناك سبب
للحديث حول هذه القضية،وواصل: سيكون هوار مسؤولا عن
المجموعة. كان الشهيد الرفيق هوار مريضا لايقوى على
السير لمسافات طويلة (أعدم بعد الأنفال من قبل
النظام). تمّ إستطلاع القرية قبل منتصف الليل، وعند
دخولنا إليها لم نجد أحدا فيها سوى مواء القطط هنا
وهناك، وفي بعض البيوت لاتزال بقايا الجمر والشاي في
المواقد،وقدّرنا بأنّ أهلها قد غادروها أثناء الغروب.
غادرنا القرية على عجل بإتّجاه قمة الجبل وقضينا
ليلتنا هناك مفترشين السماء الصافية،وفي نهار اليوم
التالي إنزوينا في أماكن بعيدين عن أنظار العدو. قبل
غروب الشمس أرسل مسؤول المجموعة الرفيقين كمال(مهندس
مدني خريج جيكوسلوفاكيا من أهاي مدينة النجف الأشرف)
ورزكار(معاون طبيب خريج المعهد الطبّي من مدينة
العقرة) لإستطلاع الطريق. أخذنا ننزل ونصعد الوديان
بدون أن نعرف وجهتنا الصحيحة، وعندما نسأل الرفيق هوار
أين وجهتنا وماذا حلّ بالرفيقين...فكان يردّ بالتشنّج
وبدون أن نفهم منه شيئا،ولكن لا يلام ونحن في حالة
يأس،حيث الأنصار أصبحوا منهكين بدون أكل ولا شرب
واضطرّ البعض منهم ومن شدّة العطش،شرب ما تبقى في
مثانته. سألنا الرفيق هوار ما العمل،فردّ: لآ أدري!
فلم يكن من السهل عليه، وهو في وضع صحّي ونفسي صعب،
فقدان أثر رفيقين وهو المسؤول عنهما بالإضافة أنّه فشل
في مهمّته ليس في الأمر السهل،لذلك لا يلام على ما جرى
. تداولنا وضع المجموعة أنا والرفيقين سالم وهوبي
وإتخذنا على عاتقنا توجيهها بعد أن إستنفذت كلّ طاقتها
وأصرّت على الرجوع ،لأنّ الإستمرار في سلوك طريق مجهول
لمجموعة منهكة بدون أكل ولا شرب هو هلاكها،ولكن بدون
كمال ورزكار(وبعد الأنفال السيئة الصيت علمنا بأنّهما
وقعا في كمين للجيش واستلمتهم مخابرات النظام بعد أن
فشل بعض الجنود الأوفياء من تحريرهما وأعدم البطلين
بعد تعذيبهما،ولم يعثر على رفاتهما). كانت مسيرة
الرجوع أصعب بكثير لأننا في حالة صعود الى القمّة
ومنهكين. فجأة قال الرفيق هوبي إسرعوا أيهّا الرفاق
إننا متجهين الى بستان العنب، وعندما سأته من أين لك
المعلومات قال : "كلاوات ، بس رفع معنويّات". بعد بعض
الوقت لم نصدّق أعيننا عندما دخلنا بستان العنب. وبعد
إستعادة بعض المعنويّات والتقيؤ عند البعض بسبب إنتفاخ
المعدة من كثرة الأكل تغيّرت الأجواء وبدأ المزاح
وامتلأت الزمزميّات بعصير عنب أصلي 100%،وبعد حوالي
ساعة غادرنا البستان الى مكان للإختفاء
في ليلة 6/7 إيلول مرورا بقرية باني وحصولنا على الخبز
اليابس منها، أخذنا قسطا من النوم والراحة في مكان
"أمين" بعيدا عن القرية، وبعد الظهر في طريقنا الى
أنصار الفوج الأول لم نرى أحدا من ذلك الجمع الهائل من
الناس، وكان رفاقنا قد إنتقلوا الى مكان قريب من مقرّ
الفوج. وعند الإستفسار عن الأوضاع ومصير عوائل رفاقنا
كان الأمر واضحا بالإستسلام ل"قرار العفو" الذي أصدره
المجرم رئيس النظام. سألت الرفيق أبو سربست عن سبب
إيعاز عوائلنا بالتسيلم للسلطات،فردّ: بعد نقاش طويل
في اللجنة المحلية حول الأوضاع،وبشكل خاص وضع العوائل
وجدنا أفضل طريق هو أن يسلمّوا أنفسهم وربما يسجنون
لفترة،ولكنّه أفضل من المصير المجهول. كان ردّي فقط:
"لقد سلّمتم الخروف للذئب"،فأجابني : "لو كنت هنا
لوافقت على ذلك" . وعندما تحدّثت مع الرفيق أبو
عمشة،تحدث بعصبية وقال: كنت الوحيد الذي لم يوافق على
هذا القرار،ولكن لا يمكن أن أتصرّف لوحدي وليست عائلتي
أفضل من بقية عوائل رفاقنا. مهما كان القرار خاطئا
لكنه جاء في وضع حرج وخطر جدا، ولكن كانت هذه قناعة
أكثرية اللجنة للخروج من المأزق . ثمّ تحدثنا مع
الرفيق أبو سالارعن أسباب الإخفاق في مهمّتنا وما هي
الحلول الجديدة فقال، بأنّ الإتّصال مع المركز مقطوع
كما لم تردنا أية معلونات عن مجموعة أبو سلوان
وستتوجّه مجموعة من رفاق العمادية مع أبو عمشة قريبا.
وفي اليوم التالي التقينا مرة أخرى وأبلغني بأنّه
سيتوجّه مع مجموعات الى سهل الموصل وستبقى مجموعة
حوالي 35 رفيقا ويكون مسؤولها الرفيق... وتساعد ه في
ذلك. في اليوم التالي غادرت مجموعة أبو عمشة . وقبل
مغادرة المجموعة الأخرى الى دشت الموصل جاء الرفيق أبو
سالار وأبلغني بأنّ الرفيق يعتذر عن مسؤولية مجموعتنا
وأكون أنا المسؤول عنها وأختار من يساعدني في ذلك على
أن ننتظر حوالي أسبوع لحين قدوم الرفيق أبو زياد ليكون
دليلنا. قبل حلول المساء غادرت المجموعة الى سهل
الموصل وأخذ أحدنا يودّع الآخر بالحذر والسلامة. بعد
يومين من مغادرتهم جاء رفيقان من مجموعة أبو سلوان مع
رسالة الى أبو سالار،إطلعت عليها وكانت تشير الى
المشاكل داخل المجموعة،وعندما سألت الرفيقين عنماهية
المشاكل فردوا بإنّها كانت بين أبو سلوان وألند . بعد
فترة وجيزة قدم إلينا ثلاثة رفاق من سهل الموصل وأول
خبر مفجع سمعناء هو إستشهاد الفنان الكبير أبو
آيار(فؤاد يلدا- خريج إيطاليا)،وكان الشهيد قد أودع
عندي مجموعة من عدّة النحت على الخشب والجبس لأحتفظ
بها على أمل أن يغادر الوطن قبل الأنفال للعلاج بسبب
إصابته في رجله في إحدى المعارك ضد قوّات النظام،ولكن
الوقت لم يمهله ليسقط شهيدا بعد يوم واحد فقط من
توديعه. كنت قد أودعت الأمانة في حقيبة مع هديّة من أم
ناتاشا(محبس ذهب)،حينها كنت طالبا في الدراسات العليا
في مدينة لينينغراد وكانت ناتاليا في ربيعها
الثاني،وراديو مسجّل كنت أسجّل بعض المواد من جريدة
طريق الشعب على أشرطة كاسيت التي كان الشهيد الرفيق
عامل(عضو محلية نينوى) يحملها الى رفاق الداخل،ولازلت
أتذكر مكان الحقيبة . والخبر الآخر هو كشف أحد
"الناشطين" في التنظيم المحلّي كان يعمل لحساب مخابرات
النظام الفاشي واعترف بكل ما قام به من جرائم ضدّ
رفاقنا والأخيرة منها عندما أراد الإيقاع بالمجموعة
المتواجدة في سهل الموصل لتصفيتها من قبل قوّات
النظام،ولكن تمّ كشفه من قبل أحد الرفاق في الوقت
المناسب والقي القبض عليه . وعن العوائل كانت الأخبار،
أو الدعايات، تشير الى نقلهم الى معسكرات الإعتقال في
أربيل. أما وضع الرفاق في الدشت أو سهل الموصل لازالوا
يبحثون عن طريق الخروج ومنقسمين الى مجموعات تختفي في
أماكن أمينة . و كانت مجموعات صغيرة(رفيقين أوثلاثة)
تأتي من سهل الموصل بين حين وآخر لتقصّي أخبارتا
والسماع الى أخبارهم،وأخيرا علمنا بمغادرة مجموعات
الدشت الى منطقة السنجار.
غادرنا المكان بعيدا عن مقرّ الفوج لأنّ العسكريين
والجحوش كانوا بين فترة وأخرى يجوبون مقرّ الفوج بينما
نحن في حالة تلافي أي صدام معهم لأنّ نتائجه ستكون
لغير صالحنا،واستقرينا في مكان قريب من عين الماء التي
غالبا ما كان الأنصار يستريحون عندها في تنقّلاتهم بين
مقرّ الفوج وقاطع بهدنان ومنطقة العمادية. مرّ أكثر من
أسبوع ولم يظهر الدليل، ,أصبحنا لوحدنا منقطعين عن
الكلّ،حتى الجهاز اللاسلكي الذي في حوزتنا لانسنطيع
إستخدامه خوفا من تعرف قوّات النظام على موقعنا من
خلاله،فبادر مسؤول الجهاز الرفيق كريم دويا الى إخفاءه
وإتلاف الشفرة . ولتلافي خطر ملاحقتنا أو تطويقنا من
قبل قوّات النظام المتواجدة حولنا قمنا بتقسيم
المجموعة الى ثلاث فصائل صغيرة وحدّد مكان لكل فصيل
وبمسؤولية الرفاق ملازم كرم وأبو عشتار ومخلص الصغير
وكنت مع المجموعة الأخيرة. كانت الحراسات متواصلة
ومشدّدة،وكنت مع الرفيق مخلص نجوب المنطقة فجر كل يوم
لإستطلاعها والتأكد من عدم وجود قطعات عسكرية قريبة أو
أيّ تحرك تجاهنا،وكنّا نشاهد بواسطة النواظير عملية
إزالة القرى وسد عيون المياه. بالنسبة للأكل كنّا
نتسلل الى مخازن الفوج الأوّل أو مما أخفاه أهالي
القرى من أكل ومنام،ولم نقلق من هذه الناحية حيث
وفّرنا كميّات جيدة من الطحين والرز والسكّر والشاي
والحليب المجفف وبعض المعلبات. طال الإنتظار حوالي
عشرين يوما وبدأ الرفاق يستاؤون من وضعهم ،فطرح الرفيق
سالم فكرة أن يتوّجه مع بعض الرفاق الى سهل
الموصل،ربمّا يحظون بطريق للخروج الى سوريا، فقلت
له:فقط في حالة التأكّد من عدم وجود الخطورة وفي حالة
عدم تمكّنكم من تجاوز الخطر يرجى الرجوع إلينا حالا.
هكذا غادرون الرفاق بعد وداعهم،وانقطعت أخبارهم تماما.
جائني الرفيق أبو فيلمير بعد أن إلتقى أحد أهالي القرى
المجاورة مع عائلته الذي طرح فكرة أن يكون الرجل
دليلنا على أن نقدم حماية لعائلته.إتّفقت مع أبو
فيلمير حول هذا الفكرة،وفي اليوم التالي ذهبنا الى
الموعد المحدد ولكن لم نجد أثر للرجل .
بعد رجوع الرفيق م. كرم من عين الماء أخبرني بوجود أبو
سلوان وبعض رفاق مجموعته وهم في إنتظاري. ذهبنا إليهم
حالا حاملين إليهم بعض الأكل . كانوا متعبين جدا. سألت
عن بقية الرفاق وهم أربعة ومن بينهم أبو رشدي وسمير
ألقوشي،قال أبو سلوان بأنّهم تعرضوا الى إطلاق نار
كثيف من قبل إحدى ربايا الجيش عندما ساروا أمام
الربيئة عن طريق الخطأ وبدون علمهم بوجودها،فتشتت
المجموعة وبعد التجمع في إحدى الغابات القريبة كان
أربعة رفاق قد فقدوا،وعندما إستفسرت عن إعتقاده حول
مصيرهم،قال بأنّه لم تكن هناك إصابات (وبعد فترة سمعنا
بإستشهاد النصير سمير بإعدامه من قبل النظام). بعد أن
أخذ الرفاق قسطا من الراحة رجعنا الى مواقعنا،وفي
اليوم التالي شرحت لأبي سلوان حقيقة الأوضاع عندنا كي
يستطيع الإختيار البقاء معنا أو المغادرة الى سهل
الموصل واللحاق بمجموعة سالم (إذا عثروا عليها)،فكان
الإختيار البقاء معنا. وهكذا أصبحت مجموعتنا تتكوّن من
34 نصيرا. مرّت ثلاث أسابيع ونحن في إنتظار أبو زياد .
رغم الوضع الصعب والخطر الذي كنّا فيه وفقدان الأمل
بمن يرشدنا لإجتياز الحدود كان الأنصار متماسكين ولم
تبرز أية حالة تهوّر أو مايعكّر العلاقات الرفاقية
لأنّ الكل كانوا واعين للوضع،ولكن الجوّ المرح الذي
إعتدناه أصبح أهدأ لأنّ كل واحد منّا له همومه، وخاصة
هموم العائلة ثمّ الأهل والأحبّة، وهل يبادلوننا نفس
التفكير أم أنّ أساليب النظام الفاشية الخبيثة وحروبها
العدوانية غيّرت مواقفهم.. هل يقدّرون ويثمّنون نضالنا
من أجل إسقاط الديكتاتورية وإقامة نظام ديمقراطي على
أرض الرافدين التي إستباحها غير أهلها لقرون عديدة
ودنّستها أنظمة لاتستحق حتى مزبلة التأريخ بإستثناء
النظام الجمهوري الذي أتت به ثورة تمّوز 1958 ،كنّا
نفكرّ بثمرة نضالنا وهي تقديم،وبكامل حرّيتنا، أفضل ما
يمكن للشعب ولكل في مجال عمله في المعمل والورشة
والأرض والمدرسة والجامعة والمسرح والجيش والملاعب
و... والهمّ الآخر هو كيفية الخروج من هذا الوضع قبل
أن يحدث ما لا يحمد عقباه خارج حدود إرادتنا. في جو
ظهري هادئ شقّه صوت طائرة عمودية تلاه رمي كثيف
بإتّجاه فصيل أبو عشتار،فتهيأنا حالا متّجهين نحو
الفصيل وبحذر شديد،توقّف إطلاق النار فجأة وبعد لحظات
شاهدنا مغادرة الطائرة، وفي الطريق إلينا إلتقينا بعض
رفاق الفصيل وأبلغونا حالا بعدم وجود إصابات وجاء
الرمي نتيجة نشر بطانيّات على الأشجار. بعد توجيه
الإنتقاد بسبب هذا الحادث تمّ سحب الفصيل وإبدال مكانه
بمكان أكثر أمانة مع التحذير بعدم إلفات نظر قوّات
النظام بتواجدنا.
فقدنا الأمل بقدوم أي دليل، وأصبح أمامنا أمرين :
إمّا تهيأة مواقع أمينة والبقاء لفترة أخرى غير محددة
أو التوّجه نحو الحدود التركية معتمدين على نفسنا .
لهذا الغرض دعوت الرفاق المسؤولين عن الفصائل بالإضافة
الى الرفاق أبو بسّام وأبو فيلمير وأبو سلوان لمناقشة
الموضوع،وتمّ الإتّفاق على المغادرة نحو الحدود
التركية وتشخيص أربعة رفاق تكون مهمّتهم الإستطلاع
نهارا ومسيرة الفصائل ليلا، وتحددّ موعد التحرك في
اليوم التالي مساء 1 تشرين أول،على أن تتوّجه مجموعة
الإستطلاع نحو قمّة كارة المطلّة على قرية كارة قبل
الغروب وتلتحق بها الفصائل في السابعة مساء. في اليوم
التالي تغيّر مزاج الرفاق نحو الأفضل وبدأ على وجوههم
التصميم في التغلّب على المحنة ، وبعد الظهر بدأنا
بتهيأة الخبز على أن يحمل كلّ رفيق بحدود 25 رغيفا مع
سكّر وشاي وملأ الزمزميّت بالماء ، إلاّ أنّ الرفيق
شةمال أصرّ على أن تحوي عجينة الخبز على سكّر وحليب.
هكذا حصلنا على خبز درجة ممتازة.
في نفس النهار جائني المرحوم الرفيق أبو سناء يقترح
إستلام السلاح من الرفاق المرضى والذين لايقوون على
حمله،كان المقترح مقبولا وقام بالمهمّة الرفيق مخلص
وجمع 17 كلاشنكوف وحوالي 50 مخزن عتاد وتمّ إخفاءها في
برميل بلاستيك في إحدى ثنايا جبل كارة. أبلغنا الرفاق
للتجمع في الساعة السادسة مساء للإنطلاق بعد أن حددنا
كلّ قواعد الإنظباط أثناء المسيرة وتحديد من يكون في
المقدّمة والمؤخرة(قفل).
بعد مغادرة مجموعة الإستطلاع في حوالي الخامسة مساء
سمعنا إطلاق نار كثيف بالقرب من موقعنا،وأول ما بادر
الى أذهان بعضنا وقوع المستطلعين في كمين،لأنّ الوضع
مرشّح لكل الإحتمالات،فسارعت مع مجموعة من الرفاق
للنزول بإتّجاههم،إلاّ أنّ الرفيقين أبو فيلميروأخيه
عبد أكّدا بأن ّ صوت الرمي قادم من كلي مراني. لم تمرّ
سوى دقائق حتى سمعنا صوت أحد الرفاق وهو يركض
بإتّجاهنا فبادرنا بالنزول بإتّجاهه وكان م.كرم،فقلت
له،وأنا متخوّف من وقوع سوء لهم، "احجي رفيق ،شكو صار
شي عليكم" فردّ بأنّ كل شيئ جيد وأنّ الرفيقين أبوزياد
ومنار قدما وهم ينتظرونني عند عين الماء،فتنفسنا
الصعداء وأبلغنا بقية الفصائل بذلك.إلتقينا الرفيقين
ثم عدنا سوية وتحدّثا عن أنّ الطريق في الذهاب كان
صعبا أمّا الآن فهو أفضل لأنّ تجمّعات الجيش تقلّصت
وإبتعدت من بعض الطرق ويعزى هذا الى إعتقادهم بأنّ
المنطقة أصبحت خالية من "العصاة والمخربين" .تأّجل
موعد الإنطلاق الى اليوم التالي،وفي لقاءنا صباحا بعد
الفطور قررنا أن يكون أبو زياد مسؤول المجموعة يساعده
في ذلك الرفيقين م.كرم ومنار. إعترض الرفيق أبو سلوان
على المهام وقال:"أين دور الحزب،ورفاق المحليّة
لامسؤولية لهم؟" ،فقلت له :كلّنا في حزب ونحن في وضع
إستثنائي نريد إيصال الرفاق الى الحزب سالمين،وهذا رأي
الكلّ وإذا ظهرت مشكلة سيتم حلّها فيما بيننا. فأصرّ
على موقفه ولكن أحدا لم يتّفق مع رأيه .
إنطلقنا من موقع "إقامتنا الجبرية"يوم 2/10 ووصلنا الى
الحدود التركية يوم 4/10.وكان أخطر ما صادفناه هو
مرورنا بطريق جبري على سفح فسيح عالي وتحت الطريق يوجد
ربيئة للجيش،وأنّ أية حركة غير متوازنة قد تؤدّي الى
سقوط أحجار الى الأسفل،وبالفعل حدث شيئ من هذا القبيل
وأخذ الجنود يصيحون "ترى ديرو بالكم أكو حراميّة" وتلا
ذلك إطلاق النار ونحن منبطحين ثمّ عاودنا السيرثمّ
إنبطاح حتى تخطّينا منطقة الخطر والتي لم تتجاوز 200م
. وفي الليلة الرابعة وقبل الفجر بقليل وكلّنا في
حالة تعب ألمح أبو زياد الى عدم الإهتداء الى الطريق
الصحيح ولكننا قريبين من الهدف،وبعد أخذ قسط من الراحة
وإنبلاج الفجر كان الطريق واضحا،وبعد نصف ساعة وصلنا
الى المكان المحدد . تحللنا وأكلنا ما تبقى من خبز
شةمال الطيب وأتى أبو زياد بالبريد الذي تركه أبو عمشة
في المكان المتّفق عليه،وتشير الرسالة الى أنّ
المجموعة ستدخل الى تركيا وعلينا إنتظار أشخاص من أهل
القرية القريبة. بعد قليل قدم إلينا شخصان من القرية
يتبعهما شباب يحملون الأكل،وأبلغونا بأن المجموعة
السابقة عبرت الى قضاء كوكوركا في الجانب الآخر من
النهر وعلينا عبور الجسر(يتكوّن الجسر من خشب وحبال
وبعرض متر واحد) غدا بعد الفطور ومقابلة آمر اللواء
لنقلنا الى ....بعد موافقته. وعندما إستفسرت عن
إمكانية التوّجه الى سوريا،أكّدوا بإنّ الطريق طويل
وغير آمن. توجّهنا نحو الجسر في اليوم التالي بعد أن "
أهدينا سلاحنا المتبقي الى أهل القرية"، ولكن الجنود
الأتراك منعونا من عبوره حتى قدم آمر اللواء. فكان
الضابط حاد المزاج وأخذ يتهمنا وب=ون سابق إنذار بأننا
نأوى ونساعد مسلّحي ب ك ك ولا يمكن السماح بدخول
الأراضي التركية،وعندما أبلغوه الرفاق بأننا مدنيين
ولا علاقة لنا بما يتحدث به،فأصرّ على ذلك وهدد إمّا
بتسليمنا لقوّات النظام العراقي أو أن نسلك طريق إيران
عبر الحدود العراقية.أراد أبو فيلمير مناقشته، ولكني
سحبته جانبا وقلت له بأنّ هذا حيوان لايعرف غير
الأوامر ولا نريد تضييع الوقت. رجعنا الى أماكننا على
أن نقوم بمحاولة أخرى مع قائممقام القضاء قبل الظهر.
فشلت المحاولة لأنّ القائممقام إدّعى بعدم وجود لديه
صلاحيّات. بعد الغداء تحدّثنا مع أهل القرية حول
التوجه الى إيران،فأبلغونا بأنّهم إتخذوا الإجراءات
بذلك وإتفقوا مع أقربائهم في القضاء لإصالنا الى قرية
آمنة تلي القضاء بمسافة قليلة.
في الساعة الحادية عشر ليلة 6/7 تشرين أول عبرنا الجسر
الى القضاء وسرنا بمحاذات مقرّ اللواء، وبعد مسيرة
ساعة أوأكثر أخذنا قسطا من الراحة،وفي هذا الأثناء قدم
إثنان من ب ك ك فأخذوا ينتقدون قيادات البيشمةركة
وبإنّهم السبب في هذه المأساة وغيرها من الثوريات ولم
نرد عليهم بأي شيئ فرحلوا. وصلنا الى القرية حوالي
الساعة الثانية ليلا واستقبلنا من قبل المختار وأولاده
بكل ترحاب ،ولأوّل مرّة منذ خمسين يوما ننام براحة بال
وبدون حراسات. في حوالي مطلع الفجر قدمت سيّارة الى
القرية،فنهض جمال سواري وسألني "رفيق أبو ناتاشا هاي
سيارة مال حكومة"،قلت لا، "ماكو حكومة بهيج مكانات نام
براحتك". بعد تناول الفطور إتّفق أبو فيلمير مع
المختار لإعطائنا دليلا الى القرية التالية والتي
وصلنا إليها مساء، وسلّم للدليل المبلغ المتّفق
عليه،(وكان لدى أبي سلوان مبلغ جيّد من النقود إستلمه
من أبي سالار لسد نفقات مجموعته). بينما كنّا نتّجه
الى قمّة جبل عالي أشار الدليل الى أنّ المكان الذي
نسير فيه تعرّض الى قصف من المدفعية العراقية وأوقع
ضحايا بين العوائل الكردية النازحة، وكانت هناك،
بالفعل، بعض آثار الملابس و الأحذية. بدأنا صعود
الجبل،وبعد تجاوزنا لثلاث أو أربع قمم بدأنا نسير على
الثلج،وظهر بأنّ الثلج فقط يتساقط في هذه المنطقة
إبتداءا من نهاية أيلول. قبل وصولنا القمّة أدركتنا
عاصفة ثلجية فتماسكنا جميعا، وفي هذه الأثناء إنتابت
مام أحمد سواري حمّة خفيفة(كان في ال 75 من عمره ووالد
الشهيدين جاسم وهلال)،وتمّت مراعاته من قبل الرفاق،
وخاصة ولديه عبد وجمال. تعدّت العاصفة بسلام ووصلنا
القمة الأخيرة بعد مسيرة 8- 9 ساعات،وفي السفح المقابل
حيث الشمس والحشيش. تمددنا جميعا وجمال سواري في جانبي
والشاعر أبو طالب في الجانب الآخر،ففاجئني جمال بسؤال
غريب : "ابو ناتاشا كمّ مرّ جنت هنا؟" فخرج أبو طالب
من هدوءه الذي دام أيّام وضحك من أعماق قلبه كعادته
وقال: "جماعة سمعتو، أبو ناتاشا يجي هنا سياحة واحنى
ما ندري". بعد هذه المزحة واصلنا السير من قرية الى
أخرى حتى عبرنا الحدود الإيرانية الى قرية راجان يوم
10 تشرن أوّل. وفي مقرّ المكتب السياسي للحزب
الديمقراطي الكردستاني إستقبلنا أبو حكمت،كان حينها
عضوا في لجنة حزبنا المركزية.بعد مكوثنا في الضيافة
ثلاثة أيّام توجّهت مع رفيق آخر عائدا الى كردستان.
كيف أستقبل "المؤنفلين من الأنصار" !!!
إستقلينا سيارة كان فيها رفاقنا متوجهين الى سوران
ومنهم الرفيق أبو داود. وبعدها غادرت الى منطقة دولي
كوغا ثمّ الى ناوزنك. عندما طلبت من المكتب
السياسي(كان هناك الرفيق أبو فاروق) حول إمكانية
إلنزول الى الداخل كان الجواب بعدم وجود أيّة إمكانية.
في كانون أوّل 1989 إلتقى معي الرفيق أبو يسار( حسّان
عاكف كان عضو اللجنة المركزية) وأبلغني :" تقديرا
لنضالك وجهودك وووو..قرّر المكتب السياسي سفرك الى
الإتّحاد السوفييتي أو أي بلد تراه مناسبا " شكرت
الرفيق وقلت بأنّي بحاجة الى دورة إعادة المعلومات في
مدينة لينينغراد قبل العمل. فقال :" سأبلّغ الرفيق أبو
فاروق بذلك وبدوره يبلغ رفاقنا في الإتّحاد السوفييتي
لتهيأة ذلك .
وصلت الى موسكو في شهر شباط وإلتقيت الرفاق المسؤولين
وإستفسرت منهم حول دورة إعادة المعلومات،فقال لي
الرفيق المسؤول بأنّ المعهد رفض ذلك لأنّهم يطلبون
مبلغ مقابل الدراسة. فقلت :"ومن أين المبلغ وأنّا توّا
قادم من كردستان"،فردّ الرفيق المسؤول :"لا أدري.
فقلت:"وإذا أقوم شخصيّا بذلك ؟" فردّ الرفيق
المسؤول:"هاي قضية تخصّك احنا معلينا"!!!
إلتقيت المسؤولين في معهد التعدين في لينينغراد،وبعد
الترحاب والعتاب لأنّي تأخّرت، إستفسرت منهم حول رفض
طلب الدورة ،فقال نائب العميد للشؤون العلمية "نحن لم
نرفض إطلاقا وكان رفيقك هنا وأعلمناه بما هو مطلوب
،ولكن لم نستلم الجواب".فقلت والحل ؟فقال :"تأخذ معك
كتاب من رئاسة المعهد الى وزارة التعليم العالي في
موسكو للمصاقة عليه". وهكذا كان وبكلّ بساطة ! بدأت
الدورة والتدريس في كليّة الهندسة في المعهد..وإلى
قدومي الى السويد عام 1992 . (ملاحظة مع الإعتذار :
هذا الكلام ليس موجّها الى شخص معني،بل موجّه الى كلّ
مسؤول لايشعر بمسؤوليته)، وشكرا
|