|
ســوق الصفافيــر : حاضر لايدل على شيء وخراب فادح
الجيران - بغداد - كغيره من الامكنة البغدادية
الحميمة، لم يتبق من سوق الصفافير الا صورته الاخيرة،
الصورة التي تختزنها الذاكرة ليس الا، والا فما هو
حاضر لايدل على شيء. بل لايشي الا بخراب فادح مهول
ومشهد مؤلم لاتطيقه العين .
مكان ليس له علاقة بالمكان الاول على الاطلاق وتلك نتيجة منطقية
لتلك الحالة التي طبعت أكثر الامكنة المهمة والمؤثرة
اليوم نتيجة اللامبالاة الواضحة أو عدم الاحساس بأهمية
المكان المحلي وجمالياته العميقة.
شكل حضور سوق الصفافير في الذاكرة العراقية البغدادية
خصوصا أحد سمات ذلك الانشداد العميق بالمكان البغدادي
المحمل بكم واضح من الاحالات الجمالية والثقافية
التراثية والنفسية التي تقبع خلفها أو تنطلق منها
العديد من الذكريات والمشاهد والصور التي يختزنها
الانسان هنا في باله وذاكرته. صور جداتنا وأمهاتنا
وابائنا وهم يجدون ضالتهم في مايريدون من هذا المكان
أو وهم يسيحون فيه سياحة الانسان الهائم في مربعه،
المكان الذي كان فيما مضى احد مخزونات البيت البغدادي
مما مايحتاجه من الاواني والنحاسيات والمعدات والزينة،
قبل أن يتحول ايضا الى مقصد هام من مقاصد السياحة، حيث
كان يؤمه السياح الاجانب مبهورين به ومشدودين بقوة
لسحر مايصنعه اسطواته ومهارة اهل الصنعة فيه من
نحاسيات وتحف وأوان، تذكر دوما بمهارة وقدرة الصانع
العراقي على الابداع.
مكان خاو بلا علامة..
يقول أحد اسطوات السوق وهو شيخ تجاوز عمره السبعين
ورفض ذكر اسمه لنا أن هذا المكان اليوم لايحمل من
صفاته الا الذكرى كل اصحاب المحلات القديمة تركوا
المهنة لاسباب عديدة لكن أهم الاسباب، هو أهمال الدولة
المعيب لهذا المكان وعدم أهتمامها به كمكان تراثي
وسياحي هام، هذا فضلا عن عدم رعايته من ناحية الحدمات
التي يجيب أن تقوم بها أمانة بغداد خصوصا الادامة
والتنظيف والتنظيم وغيرها..
بينما قال لنا اخر: أن الفوضى التي تعم المكان منذ
سنوات هي فوضى بلا حدود. لاأحد يمنع أحدا من القيام
بأي شيء، صنائع ومهن وبضائع استهلاكية لاعلاقة لها
بروح السوق واشتغالاته، بينما من الواجب أن تكون
الجهات المسؤولة هي التي تنظم عمل المكان والعاملين
فيه بصفته مكانا عاما وسوقا يعد واجهة تراثية تخص
الجميع. هل يتلمس أحد من المعنيين روح الجمال الكامن
في هذا المكان (يقول ذلك المواطن): لاأعتقد ذلك، لاأحد
من هؤلاء (المعنيين اليوم) يشعرون بذلك، والا لما تحول
هذا السوق الى مكان خاو بلاروح ولامعالم، مكان بشعا
بأمتياز، بعد أن كان صورة حضارية وهاجة لروح بغداد
العظيمة ومعلما من معالمها الساحرة.
اخر مرة سألتني الحجية أمي عن السوق كان قبل عام او
اكثر قالت: (ماتوديني لسوق الصفافير) ولم أجبها، لكنى
أردفت هل تتذكرينه ياأمي، كما تشائين ولكن افضل ان
لاتريه اليوم.. قالت: (شلون لعد).. قلت: هذا أفضل
أستعيديه ياأمي، تذكري تلك الايام، أيام سوق الصفافير.
فلم يبق من سوق الصفافير شيء الآن.
الاتحاد
|