|
حيرة الغرانيق
بديع
الآلوسي
.....طارت , تبعها , لتختفي في الضباب ,وليسقط في بئر
بلا قرار ... عيونها الساحرات تسكن بين وهج الروح
وتشتتها , بقى ساكنا ًفي مهجع (العرائس الحزينات )
متوترا ً, مئات الهواجس كادت أن تخنقه , حالة ألأزعاج
المحمله بالأسرار دعته لملازمة الصمت ثلاثة أيام
بلياليها . الصباحات الشتائيةغير متشابهة في تفردها ,
هنالك مسحة ًمن اللون الرمادي يكسو الشجر ألأجرد ,
بقايا ثلج طاهر يوحي له بغربة ألأعماق وسكون ألزمن
ألأعزل , شيء يحز في النفس أنه لم يرها منذ زوبعة
ألرماد .
- كم أنا في شوق لرؤيتها ؟
الورود البنفسجية تقاوم البرد راعشة ً, هنالك بعيدا
ًتنام قبرته ألمتحوله ,, بعينيها ألطريتين ترقب الطريق
الترابي الشاحب المؤدي الى المقبرة ,عانقها , أحس أن
تيارات الموج تأخذه الى جزر تنتشر فيها نشوة ألنداءات
..... مد يديه لامس شعرها الهارب , ضحكت متنفسة ًرغوة
الحلم .
- تفاحة ( سيزان ) تحسسني بروعة ألأسرار ودفئها .
تجرأ أن يكشف لها شيء عن ألغاز ألأنطباعات السحرية ,
خافت وهربت بعيدا ً صوب هزائم جارفة , حاول ألأمساك
بها , تبددت , حينها أمطرت السماء هوسا ًوجنونا ً,,,,
ترك بيت ( نوبات الهذيان ) ...... أينما كان يُحَلق
يرى آثار أقدامها , فكر كالغجرفي حل عقدة ألخيوط
المتقاطعة هندسيا ً,, باءت كل حسراته بالتشتت , لترتعد
جفونه بالترقب والكبرياء , تجلى يقينه المضطرب عن
أشكال مهشمة . ألزمن المحكوم بالخوف يحطمه ويوقعه
بالسذاجة , طاردته , لم تكف عن التحليق بملابسها
المزكرشه الشفافه , رتابة مشاعره مشفوعة بالأنعطافات
المستفزة , ماكاد أن يصل الى حديقة ( الشياطين ) حتى
أعترته أحساسات ملونه , أكتشف أن ألرذاذ يحمل في
طياته عمق الجوى ورائحة الأسئلة .
- ولم لا ؟ تعال أني في أنتظارك .
لم يملك جوابا ً ,هكذا هي الحياة , الله أعطاها
الموهبة الأزليه , لنفقد الصواب , لتحل اللعنة , ليبدأ
سفر النفي . حرارة أنفاسها أجبرته أن ينفلت الى حلم
الطيور البيضاء التي غطت السفح الجبلي لتحيل ليله
نهارا ً, ذبذبات غير مرئية تهيج ألذاكرة تدفعه
للتفكير كذئب جائع , راوده هاجس أن يراها في حانة (
العاطلين ), ألتأملات ألمتشظية والعشوائيه بددت كل
أحلامه , سريعا ًينتابنى الحزن , لكن ليس من معجزة ,
جَلس على ألأريكه الحجرية الخاصة بالعجائز(المتسولات)
, أتجهت أنظاره الى قبة السماء المكفهرة , خانته
المصادفة الم يَرَ لها من أثر , ألشعور بالفرح العقيم
لا يدوم طويلا ً, واصل السير بلا هدف , لم توصله
أفكاره الى شيء محدد ,, مر عطرها ً فجأةً , ثوبها
الخمري ملأ صفحة السماء , ثم أختفى كل شيء .
- هل سأستلم منها توضيحا ً عبر ( البريد ألألكتروني )
.
دهاليز القرف الموجع بدأت تشل روحه , الشوارع
المكفهرة , الهواء الصرصر جعلة يحث الخطىعائدا ً الى
مهجع (العرائس الحزينات ). الأندهاش يحرقه , ولأسئلة
تدخلة في وحول الخذلان ,, أتجه نحو (الكومبيوتر )
,,,, أعترف أخيرا ًبالأحباط , خيبة ألحلم جعلته أكثر
أصرارا ً . واصل السخرية من نفسه .
-لاتترك ألأمل حتى لو مت .
القهوة الساخنه جعلته أكثر أتزانا ً , كاسرا ًرتابة
الفجيعة بموسيقى أندلسية قديمة , أجل كان متسامحا ً ,
ليعذر عصفورته لأنها خلقت لتعطيه تقوى التحرر .. كاشفة
ً له شرعية الهوى .
قلب الرسائل على عجل , واذا بها تخرج من ركام الحشود
معصوبة العينين , عقاب لا يعرف تفسير له .
- مخيف ما أرى ,, نظراتها الفارغة تذكرني بانثى بلا
ذاكرة .
علاقات قلقة خدشت صفاء روحه , رغبات محمومه أحالته
الى ماضي السنين العجاف ,, ألأحاديث الشهية تدفعه أن
يتخيلها حسناء مترعةً بالجاذبية دائما ً ؟, جميع
حالات ألأنكسار تعادل قبلتها المرسومه على زجاج الحواس
, بقى عالقا ًفي ذهنه عقدها ألأنيق الذي يملأ المكان
ضياء ً. فتح النص ( ظلال ألأطياف ) وأنصرف يقرأ
بنهم .
لقاؤه بدفء أنفاسها الغارقة بالتلظي شجعه
للغناء , هكذا هي الشجاعة تساعده لرصد الحياة من زاوية
أكثر ذهولا ً.
متحفزا ًً, ناغاها بدفء , أنتشرت رائحتها لتعيده
الى نساء (مودلياني ) , تأمل كيف يرتب أفكاره بشكل
دقيق , حصى حضورها اللذيذ , راحت أنامله تعانق لهفتها
المتلونة .
- أه من الغرام الغاشم , كم يذل .
نهرب أحيانا ًمن كل شيء حتى من أنفسنا ,, هي كذلك ,
تتخفى بملابسها مُحتجة ًً بالبرد ...... , تصرفاتها
تلك تحيلها طفلة أرتكبت حماقة ًصغيرة , غنجها المقرون
بالزعل والأنطواء تحيله الى سمفونية ( طريق النمل )..
عودة ً الى رسالتها ( الحكمة السابعة ) فقد أشرقت
بهاجس البحث ( ...., ألأفاق البعيدة تشعرنا فورا
ًبالأنفلات الحارق , غير القابل للتأجيل ,آه من جذوة
اللهاث الغامض الى مدن التيه , ستباغتني بالهوس ,
ولكني أعترف لك بجمال الأنطلاقات البريئة الظافرة ,
...........)
ترك سورة غضبه جانبا ً, تشبث بأنفاس الغيث , أكثر
ما وخز روحه أن العيد المقدس قد مر دون أن يرى خريف
بساطتها , أي زمن هذا ! ألألم يخنقنا رغم كل ذلك
ترانا نتشبث بأنتصارات وهمية ً .
- ليس لي ذنب , أني أحبك , سنلتقي , قبله , قبلتان ,
ثلاث ,,, .
ألمُنكَسر يعلمنا كيف نحيل طريق الندم الى تصالح ٍ
يمدنا بالقوة , أبتسم منشرحا ً , وصلته ضحكاتها
الحميمية , أيعقل أن الغضب يتبدد بالحب ؟ رأها
ترقص له , أطمأن , ناحر منطق ألأشياء , مد يديه الى
خصرها , وجد صعوبة ً بالأمساك بها ,غادرته هاربة ً ,
ليتبدد كل شيء , لم يبق َ غير هتاف كلماتها : (الحب
كما في ألحلم كل شيء مُمكن ), ذهوله جرفه أن يغرق من
جديد في طقوس رسالتها , كلماتها الندية تلونت بخواطر
الدلال الذهبي .
أطمأن الىعدم مجافاتها ,أعتراه الرضا , حملق في لوحة
( الملائكه الفضولين ) , كما توقع , كانت تصر على عدم
حقدها عليه , حضورها يضيء خلجاته الطفوليه , لوحَ لها
بيده لترد بأيمائة ٍخجولة .
- الجميل في ألأمر أنها تعرف كيف تحتويني .
عندما قلبَ كلماتها التي تضمر تجريد التفاؤل, تبددت
خيباته الكابوسيه , فحوى خواطرها الأنيقة أشبعته
بالأنشراح اللذيذ , راح يرتشفها متلذذا ً, الطريق طويل
للوصول الى تلك اللحظات الشفافة .
- لا تأبه كثيرا ً, سيدي الجميل سأعود غدا ً.
أراد أن يفتح لها قلبه لكنه خاف من أن ينكسر جسر
الأغاني الهش , بقى حاضرا ً, متماسكا ً , متشبثا ً
بعمق تجربته معها . تفاصيل حُبه مشبعة ً بضياء قمر
ممتليء . .. كتب عدة سطور ومحا , ثم أنثالت عليه
ألأفكار ألمتصارعة من لجج غامضة , كلما تعمق في الفكرة
, يرى عنفوان ألألم يغلق روحه , حينها أحس بأن للأفكار
نفوس حية .
تذكر مقولة (أندريه جيد) : أجمل ألأشياء هي التي
يقترحها الجنون ويكتبها العقل . رتب كل تصوراته
وعنونها ( حيرة الغرانيق ) ,, حرص أن لا يتحرش بالشهوة
الدبقة .
- (........,, ما أن تتوقف أشراقاتي عن الحب حتى تتوقف
زمردتي عن ألتذكر ................) .
نقاء أسراره تخبىء بريق صمته . نتائج تورطه بالبوح قد
رهنت بتأثيرات متقلبة لكنها بقيت تلامس تقلبات مزاجه
.
أضاء كلمة (
الحب
) بلون أخضر .. غار في عمق المعنى وسحره , رأها ترسم
له علامه القلب المطعون بالأنتظار . أدعيته التي تسطع
من نور قلبه كانت ترى دربها الى غيوم الله الغارقة
بالخجل .
- تعودين بالسلامة يا حوريةألألم .
لم يتوقف عن قراءة تعاويذ الأماني , فجأة ً, بلمح
البصر تغير المشهد , وحده أمام لسعة القدر الممض ,
أضطرب , سطع نور وضجيج , أهتز الكومبيوتر , فرقعات غير
وهمية تدعو الى الرهبة , ألوجل أخترق ألأجواء , أنفجار
أسود هشم روعة الحلم , ليتشظى الزمان الى شرر شؤم ,
قبل أن يتيقن من خطورة الحدث الجلل , تذكر آخر أسألتها
: هل تعرف , لماذا الكذب كريه ؟,, أنشقت بعنفوان صفحة
الرساله ,, لتنزلق طائرة ( الشبح ) ,..... مَرقت أمام
عينيه بثوبها ألأبيض الطويل وهي تسير على العشب ,
ناداها أن تبتعد ,,, واصلت سيرها بخطى متثاقلة نحوه .
يُحَلق ( الشبح ) , لتحوم في أجواء الغرفة كطائر (
الفزع ) لترمي حممها , لتقلب معادلة ألأفراح الطفولية
,, ياللهول , وازع الهرب الغريزي راح يشتغل , الرعب
المجنون شل ساقاه , أستعان بالصراخ , الضجيج ألمسعور
أخرسَ كلماته الخائبة , لم يبقَ له غير أن يجهش
بالبكاء المر , منكمشا ًمحاولا ًأستنطاق ألأنباء ,
أحس بدفء السائل بين فخذيه , ليتذكر قبر أخيه الغارق
في جوهر البساطة ,, ليس من خلاص , رأى عقارب الساعة
تتحرك عكس غايتها , داعبته يداها ,, أكتشف ان ألأنثى
ضحية القلق , تفأجأ أن الدخان الملوث بأستطالة الزمن
العقيم أحرق أطراف أصابعه ,, بقى غائرا ًتحت
صدى حكايات تتنازع بين تفاصيل الموت وضخامته . الزمن
تحلل الى دهور كالحة ..
سمع دفوف بعيدة تنقر , بغتة ً عاد الصمت , وواصلت
ألساعة تحركها المنطقي ,وتنفس الصعداء ,, رأها تلطم
خديها , تبدد أحتراق أصابعه , ألمخيف أن أندهاشه تحول
الى رهبة مستقرة ودائمة , .....
- لا أدري , كيف لم أمت ؟
الحقيقه أحيانا ًكثيرة تشبه الوهم هذا ما أسفرت عنه
مخيلته التي تلوثت بالفاجعة ,,, صورتها تملأ الشاشة ,
كم كانت شهية حينها . رغبته أوضيأت ونطفأت , لينصرف في
مداعبتها . صب جل غضبه على ألأنظمة الحاقدة التي
أستفزت روحه . كل ذلك أهاج التساؤلات : أين الحق
ولماذا يحدث كل ذلك الأن ؟
شعور بالأختناق دفعه للتوجه الى شباك ألمرايا ,, رأها
ترقص بثوبها ألأحمر في حقل الورد ألمشبع بالصفره
,,أتجهت عيناه الى ألغيمات وجدها حبلى بالوجد ,
ليدغدغها بأنامله المرتجفة , لتمطر السماء عسلا ًولبنا
ً,عنئذ صارت روحه تتناسل أشباحا ً مشوهين , منذ ذلك
اليوم المنكسر تركته ألأستقامة , بقى غبار ألجريمة
يخنقه ويعذبه ...عاد الى رسالته ( حيرة الغرانيق ) ,
وجد إن كلماته لم تسلك الطرق الواضحة , ليهوى في ألألم
اللزج, ملائكة الرحمة حارسين له , حيث أجهدوا في
أنتزاعه من براثن الموث وحممه ,,رأها تطير صاعدة ًنحو
شمس القر الشتائية , أه من رسائل العشاق المهزومين ,
في زمن القتله كل شيء ممكن , بقيت عيناه جاحظتين
بالذهول لغرابة ما يرى , وجد كل كلماته قد خضبت بالدم
ألا كلمة (
أحبك
) قاومت لتبقى يانعة ًخضراء
بديع ألألوسي(فرنسا )
b.tautil@free.fr
|