|
فردوس الانا ، في حرائق الجلنار
تشظيات.. رائدة جرجيس
فائز الحداد
ابتدأ .. اعترف انني لم اقرأ منجز الشاعرة المبدعة
رائدة جرجيس في العراق ، ولم اطلع على كامل تضاعيف
نصوصها التي توزعت في اكثر من جنس شعري .. فهي الى
جانب قصيدة العمود ، تكتب قصيدتي التفعيلة والنثر ،
ويكاد ما وصلني منها قليلا ، ولكن ماقرأته لها ، يتيح
لي قدرا لأن يكون تصوري عنها شاملا ، قبل الدخول الى
عالمها الشعري لاستقرائه ، ولو بحدود ( الجل ) لا (
الكل ) وبدرجة الالمام شبه الكامل ، كمؤهل لرأي في
شعرها فرائدة تخطت سحب الغموض وزوابع التجريب
والمغامرة لتدخل عالمنا القرائي الجميل بكفاءة ، ويكون
لها اسمها وبصمتها في المشهد الشعري العراقي المتميز
دائما ، لكنها ستحصد خسراناتها بيدها كشاعرة ، وهذا هو
حال الشعراء في عالم مليء بالالغام في احسن الاحوال .
رائدة جرجيس .. عاشت في حامية شعرية رصينة الاركان ،
وفي مملكة شعرية مكتنزة للنادر الشعري مقارنها فيها
مخاطبها الذي ما فتيء يعلم اليعاسيب لقاح الكلمة
المنحولة في صناعة الشهد الشعري ، لذلك انبثقت واثقة
في ميزان الخطى في التجريب والتجربة ، فهي سابرة
لمجاهيل نفسها المعمدة بالثبات والصدق ومدركة لمجاهل
جهالة الغاب الأدمي المليء بالنكرات والادعياء
والطارئين على الشعر .. صدقها : انها شاعرة تقف عند
مفترق طرق مفخخة باشارات ضوئية ، تحمل الموت حتى في
هاجس احضرها المفترض ، وعتادها كالحرب ( الناس الطيبون
) ، وليس لها علآقة في احتمال اللون الهجين ( الاصفر )
الذي ياكل من جرف الشاعر شاء ام ابى ..
أذهن هي كدليلها الاول ..الذي افنى عمره بين احمرين (
النار والدم ) وااستحال فيما بعد ( جلنار ) القبل
الراكضة في ملكوت التشرد وممالك الشقائق ، تلك الممالك
التي لم تعد تعي ما ( نعمان وما لنعمان ) بعد ان كفر
بدير القلعة واضاع الناقوس و الرتاج !! . فكيف لايكون
تكوين رائدة الشعري غنيا في جرس حرفها قبل حراك كلمتها
وجملتها الشعرية .
اجل .. فليكن مدخلنا من خلال وخلل قصيدتها ( لاتنتظر )
التي تشي الى موهبنها الراكزة والى مدارك معرفتها في
صياغة الشعر ..
انا هكذا ، ولك الخيار
افقي ومسراي المدار
اشدو ، وقبعتي الحقول
وبعض اثوابي البحار
هذان البيتان ، ارادتهما مهمازا لدالتين تؤشران
الاستهلال وتفصحان عن هوية ( الانا ) الدالة الى اكثر
من خيار يفصح عن ( الانا ) الغائبة الحاضرة ، والحاضرة
الغائبة تحملانها في ( مسرى وافق ) معلوم ومعرف الى (
مدار ) يختزل الدلالة ب( انا – المدار ) ، هذه
الصياغة على بساطتها االقرائية التي تبدو هكذا ، تؤكد
في جملة ما تؤكده على ان الجملة الشعرية في بنية
الاستهلال تتقصد التكثيف غير المسرف في وحدة اللغة صوب
المعنى الواسع المختصر ، وهذه هي ميزة بنية الشعر
الحديث وما تتصف به القصيدة الحديثة ، بعيدا عن هيئة
الشكل الشعري وما اريد له في ( التنظير والتأطير ) .
وبعد بوح التعريف وبيان ( انا ) المعرف في رحلة الشعر
.. ليس هناك غير الجمال من باب وحيد لانطلاق القصيدة
على لسان الشاعرة ، التي ارادت ان يكون بوح الروح غناء
لتعتمر ( الحقول قبعة ) وتمشي كملكة النحل المطاردة
بالزهور وعلى جنباتها يحلق الفراش باجنحة الربيع ،
مصفقا لعروسة البحر التي شاءته (بعض اثوابها ). فيا
لغرور الشاعر حين يتخارج عن مديات نفسه ( كخالق ) ،
يسوس كل شيء خيلا صوب عالمه الذي لانخاله ارضيا
وواقعيا.. انه كالغيبي في اجراسه السماوية ، حين تشاء
السماء التفرد افصاحا عن كينونتها الدائبة دائما الى
خلق النادر العصي في ملكوت الكون قحطا او خصبا .
ان الشاعر حين يتعرش في خباء سلطته وفي خلوة مملكته
الشعرية ، يترفع على الاشياء الا من سلطان الشعر الذي
يمنحه دفقا استثنائيا ليصير مايريد .. لا وهما و انما
كحلم له في الحقيقة اكثرمما له من الادعاء والقول
العائم ، لهذا تجد فحوى الخيال لصيقا لحقيقة الحلم حين
تقول ..
تأوي الجهات الى يدي
ويرتدي وجهي النهار
فهي تمسك أذن بمصائر الرياح ، وبكفها قرار ( الجهات )
في التحول والحؤول ، وبذات الاذعان تصر ان .. ( يرتدي
وجهها النهار ) في اشراق لا يشبه الا اشراق الشاعر ،
حين يضيء ظلام الكلمة ويخرجها من اسرها لترقص على
ايقاع قلبه ومن ثم لتكون اول المبشرين بالشمس ثم
بالغيث لهذا تقول..
ماكنت غيما خلبا
سئمت ملامحه الجرار
فأي جرار تلك التي تسأم من رؤية الغيم وهي التي تتوحم
بالماء لتسقي الظمأى ، انه شوق الحياة لتجد بالغيم
عنوان حقيقة للمطر ، فهي غيمة حبلى بقطر الحب ، وتريد
ان تبقى هكذا ما امتدت الايام .ولا ادري لماذا هذا
المقطع يذكرني بجرار (كهرمانة ) التي استحالت الى مجرد
مخيلة لذكريات تحملنا الى ماض بغداد والف ليلة وليلة
وقصص انبياء الشعر والحب وشهرزاد الحلم وتموز الاله
وعشتار وشعباد واطلال مواضينا المعمدة بحرارة انتمائنا
لوطن اراد له مجرمو العصر ان يكون شعراؤه اول الضحايا
التقتيل والتشريد .
انا هكذا
تموزي الزاهي
وثلجك مستعار
فاية استعارة جميلة هذه التي تضعك مابين فرادة الاصل (
تموز ) وطواريء ( الثلج ) ، اذ ارادت له الشاعرة ان
تأكد ه دون تشبيه بمبتدأ ( اناها ) وتاكيد مضمون
الترادف والتواصل بين الابتداء والاستمرار ، وهذا
المقطع يشي ب( هكذا- انا ) تموزية وحق رب تموز .. و
( ثلجك طاريء الخط ) في زحفه الى ممالكي ، لانه مستعار
، ولانريد هنا ان نضع حلول الفلسفة في تأويل مفترض
يأكل من جمالية المعنى في القصد الشعري بين ( قبعتي
الحقول ) وبافتراض التحليل و ( شعرك مستعار ) .
هذه البنيات بمكان التخيل تحيلك في التعرض الى قياس
نبرة الكلمة في حسها غير المرئي موضوعيا لا شكليا
مجردا ، وعليه يبقى الشعر في هكذا صياغة من الجمال ما
يشابه العقد المتسلسل في اهمية قدحه للجمال ، من اول
خرزتين او (بيتين ) .. اللذين يتسعان في الوجود الهرمي
لتسلسل الاشياء أما صغرا واما كبرا .. وفي تصاعد حمى
القصيدة يتضاعف المعنى نحو جذوة الذروة ، وتبدو عملية
الولادة اذا ما احلناها الى سيميائية تأويلية وفق منطق
التكثيف ، سيكون ناتج الخلق الجديد قريبا جدا من عملية
الترميز في الوحدة والكل المتشظي في الكل ، والكل
المتشظي في الوحدات ..لذلك سيبقى النقد اصغر من الشعر
في فهم جدلية الشعر، واحسب .. اذا كان الشعر ياتي
بالمرتبة الاولى فان النقد ياتي بالمرحلة الثالثة ،
اذا ما اعتبرنا النص الشعري هو بمثابة جبل ذي سفوح
قرائية متعددة’ ، وكل منا له قراءته في رؤية جماليات (
الجبل – النص ) فمن يستطيع ان يضع فيصلا في الحكم على
جبل شاهق من خلال قراءة سفح مجرد واحد ؟!.
ولكي نكون في شرارة اتون النص ومن خلاله لابد من نافلة
القول .. اننا ابتلينا ب( نقاد ) لم يبلغ بعضهم مستوى
النص، وبقينا بهمنا قلقين باراجيحهم التي تاخذنا يسارا
ويمينا في قلق المدارس النقدية التي اجزم : انهم
لايفهونها تماما وظلوا يتحاججون دون ان ( يحجوا
لقداسة النص ) .. وفي غيهب هذا الغي ظلوا يرجموننا
بسجيل التنظير الفراغي ويثردون بجانب ( اناء النص )
لابقلبه .. ( قريبا من النص بعيدا عنه ) !! لا لسبب
غير الخواء المعرفي والتحليلي لسبر عالم الشعر الذي
يبطن اكثر مايظهر بل ويخفي اكثر مايجهر ، ووفق قياس
عالم المعرفة القرائية بين ( الاستهلاك والاستعمال
والانتاج )، فالانتاج هو من يضعنا امام هذه المدونة
الشعرية ياسترسالها الخصب لنكتب عنها ..
امضي .. فيتبعني الندى
ولجنة المأوى مسار
ان الشاعرة رائدة التي نشأت في محمية شعرية ، لن تبرح
نأيا عن ذكريات عنفوان حلتها القديمة المزمنة .. فهو
الماضي باستعارة ( الندا ) فجا ضيقا تتمنى ان ياخذها
الى انهار جنة بات بلوغها عسيرا وك (مآوى ) اضحى بعيدا
، وان كانت تحملها اليها رؤيا باذخة في القصد والتمني
يفصح عنها المقطع التالي ..
باصابعي الانهار
جارية ،
.. تظللها الثمار
واعتقد ان الشاعرة تستضيف المداولة الافتراضية بزخم
الادعاء الشعري المفضي الى معنى الرخاء في حب ، يغدق
عليها بممكنات الثراء .. ولا اعتقد انه سيبرح ناصية
(الانا) التعويضية من حرمان ويباب صوب انهار ربما تجري
من تحتها الرمضاء وربما الثمار ، ولاسبيل لبوح افصاحها
البيني الا لتاكيد ( ثراء الفاقة ) بضباب الحب، ولكن
ومع كل احتمال القصد ، و الذي يبدو ذاتيا في رخصة
السلب في جسد القصيدة غير انه مافتيء جميلا كقناة
توصيل لوحدة المعنى الى مفضيات الابيات الاخرى ..
اثثت روحي بالضحى
فمتى،
سيبتديء البذار ؟
انا لجة الامواج ،
في ما ..
انتقي وانا الفنار
في هذين البيتين يبدو التداخل واضحا في مسألة الاصرار
على تاكيد الذات وترسيخ مفهوم شخصنة البوح القادرة على
تحقق الاشياء ،( فبعد الغيمة والنهار وبلوغ الضحى )
ماظل الا ( البذار ) ، وهي لائمة واضحة وبسؤال يؤنب
ويحمل الزمن مهمازا (متى) استنكارا وتذكيرا .. على ان
الملاذ بدفق الحياة نحو شاطيء الامان لن يمر الا من
خلل ( الانا ) التي جاءت مرتين في ( الامواج والفنار )
.
ان وحدات بنية القصيدة تشحن البوح فيما تشحنه بقدرة
ايحائية كبيرة وتاتي بفاصله تؤكد ضيق النفس واشتداد
جوى الحب في روح الشاعرة ، لذلك جاء وصف الحرقة
متداخلا ايضا ب ( مللت – ومل الانتظار ) .
لاتنتظر ، اني مللت
ومل مني الانتظار
اما يكفي بعد خسرانات الانتظار وملمات حرائق الروح
العاشقة ، ان تستكن رياح القطيعة وتتعاقب الفصول
بدورتها الطبيعية دون ان تقطع عليها الظروف تكاملها ..
فاترك لواحات الحنين
فصولها، ولك القرار
وثيمة الافصاح عن الشوق المتدفق قد احالتها رائدة الى
( القرار ) الاول لتمسك بخيط معادلة اللون الواحد
كالمعادل اللوني في اللوحة التشكيلية تجيسدا لمفهوم (
انا هكذا ) وسابقى هكذا ، لكنني ( اريدك عاصفا )
باحاسيسك كي تنتهي باعلان صريح يمازج بين الضوء واللون
معا ..
فانا اريدك .. عاصفا
وبروق عصفك ،
جلنار
ولنا ان نقف عند هذا الانزياح الشعري الجميل الذي يجمع
بين الريح والبروق كعلاقة جدل ، وصولا الى ( العصف
الثاني ) الذي يحملها الى جلال ( زهرة النار- الجلنار
)، وان كان المعنى في احتمال التأويل يذهب الى تشاكل
اخر، اذا ما سقنا مفردة الجلنار الى التشريح بعيدا عن
معطيات ( زعامة اللغة ) بدليلها القاموسي .
اخيرا اقول :
شكرا لرائدة جرجيس على نصها الجميل هذا وشكرا لجلالة
الشعر سيد الكلمة .
|