|
لاحرب على الاخر ..
مسافة الفراغ بين الشعر والنقد
فائز الحداد
يبقى الشك هاجس الشعر بشكل متوالد صوب يقين يتقصاه
كحقيقة .. الحقيقة التي لايبلغها الا بولادة شكل مضارع
اخر ، وهذا مايلخص جدلية استمراره وبقائه حيا
كالكائنات الحية الاخرى .
ومهما يكتب عن النص الشعري بهدف النقد والتقييم يبقى
لاهميته وخطورة دوره مدار بحث ودراسة وتحليل الى (مشاء
النص ) ، لان قامته اعلى وافقه اوسع وجذره اعمق من اي
جنس كتابي اخر وفي مقدمتها النقد .. ووفق هذا التصور
اقمت علاقتي مع النصوص التي كتبت عنهاوما ساكتب في
المستقبل ، لقناعتي بان خسائر الشعر العربي كبيرة
على صعيد النقد وما جنيناه من اندثارات اكبر مما
نتصورلاسباب يصعب ذكرها الان ، و لكن تاشيرها من
لوازم البحث عنها لتحديدها ولو على صعيد البيان ..
انا لا اريد هنا التعريف بتجارب شعرية معينة بقدر ما
اردت التنبيه الى حقوق هذا المضطهد ( الشعر ) والتنبيه
الى حقوق الشعراء كتابيا ، وما يجب ان تقف عنده
النقدية العربية كضرورة من ضرورات الحفاظ على راس
المال الثقافي والادبي ، وفي مقدمة ذلك الشعر الحداثي
الذي يراه البعض لم يتخطى خطى التجريب و (المغامرة )
!! .
ان الخطاب الشعري الجاد عندالبعض ولو نراه مفعما
بشخصنة الذات بشكل مفرط ، لكن مفضياته تتسع باضطراد
الى الانوات الاخرى ، حين يتساقط البوح الشعري الاثير
بانكسارات حادة على حافة الحلم في ظل روح خائفة من
ضياع الامل !!.
فاذا كان الحكم على النص يبدأ من العنونة كما درج
عليه العرض ، فلا اجده بغرائبيته الا معبرا عن
الاحتجاج والرفض وبفعل رصاصة في جبين العزوف عنه
بالصمت ، وبخلافه مايكون معبرا عن حقه بايجاب الكتابة
عنه دون تحقيق ذلك ، لاسباب لاتبدو موضوعية وفي
مقدمتها الاهمال اوالجهل المعرفي باسرار النص ومن
العنونة ايضا .
فما الذي يثيره النادر بين مئات النصوص الكريمة .. ؟ ،
ذلك الذي لا شاغل له في مكانيات العرض غير مايستهدفه
من النوادر بسحره للقلوب جمالا ، واحكام انحيازها له
دون واسطة او منشطات ( تنقيدية ) ولا حواجز او اذن من
رقيب ..
فالنص الجميل مؤهله: مقدار شعريته الفذة .. وحتى (
الكارثي ) منه يعبر فيما يعبر عن آسى الذات المقموعة
وذواتنا المهددة دائما ولا حول لنا ازاءها ولاشأن لها
بنا كاضحية او ( اقنان ) ؟!! .وهنا أستأنف الانطباع
كراي من خلال الخطاب الشعري المنفعل والمتصاعد بوتائر
مضطردة ، والموزع باتجاهات لايمكن اقصاء الترادف فيها
لصالح التعاكس ، والعكس ما يؤكد جدلية الاستمرار
والبوح عن مدارك الوعي الملم بصناعة الحدث الشعري ،
وبادوات منتخبة تتبنى الاداة وتغادرها صوب المعنى
باقصى درجات الجمال .
فحين يضع الشاعر الكارثة كاشارة كريهة متصلة بالا
حياة .. يدرك تماما ان الشك يتقصاه شعريا باستهداف
نقيضه تبنيا له في التعبير عن الخصب والحياة ،فهل اكثر
افصاحا من الزهور عن جذوة الحلم ..؟اما طواريء التعكير
كاسباب للقطع مابين مفضيين متعاكسين فمن المؤكد ان من
يجسدها بوحا هو من ينهض بالازهار
كنقيض للموت برصاصة او بعبوة ناسفة ، وهنا هو موطن
الكارثة .. لذلك يكون صوت الشاعر كاعتراف وتشخيص متحسب
بلغة الذي يرمم الخراب باكاليل سوداء .
ان الشاعر الحداثي لاشك بانه يؤسس لحقيقة كبيرة مفادها
: ان قصيدة النثر حثى في المباشرة الشعرية هي غيرها من
الاجناس الاخرى ، والاشارة هنا لا اعني بها الى ضرورة
تكريس التكثيف والتورية الى درجة (المعميات ) ، انما
السعي الى المعنى الزاخر بالدلالات الذي نتقصاه ، والا
الى ماذا يرمي الشاعر كثيمة في اتعس الظروف وافضلها ؟
.. ففي بعض النصوص تجد التخارج بمعنى الرفض له تداعيات
التشخيص السلبي في النص و له صدى رفض اكثر حدة في
تضاعيف النص وبتشخيص بائن اخر.. اكثر حدة ايضا .ا
ولكي لا يعتاص فهم البوح كعائم مطلق وبوصفيات عائمة ،
تحيل التسبيب كأجابة بانزياحات اخرى يكون التشخيص
واردا لمعاناة ..(الانا) المحتملة ، كرسائل الرصاص في
ادراك اهدافها ..وان تتماهى في تعميد الاسترسال
كاجابة باحثة عن اسباب موجبة تدين التهرب والعزوف و
باشاريات ترميزية او تقريرية تفضح الوسائل المهددة
للحلم ، وهذه ما تحدد مسافة الفراغ بين الحرب والسلام
ومسافة الحلم والوهم .
لعل الكوابيس المستفزة للشاعر تلخص مردودات الافعال
الانعكاسية للذات الشعرية المحاصرة ، والمحكومة بالحرب
الكاذبة والسلام الكاذب لابماخذة الغائر بطين
المعاناة المستدرج اساسا بكذبة العذوبة وسلسل الزلال
، صوب وحل الهزيمة والاستسلام المزوق بالسلام ..
فالحرب التي تشبه السلام هي كالسلام المهدد بالحرب
بالمجارات حينا وبالمغايرة احيانا اخرى ، وبهدف ان
نبقى في خضم الحدث الشعري تضعنا بعض النصوص في مأزق
التشخيص والتشتيت معا ، لا لشيء انما لتوضيح الامر كي
ندرأ عن انفسنا تهمة تعضيد الحرب ضد الاخر في الشعر
والنقد !! لكننا نهدف الى الضوء سببا للنور والانفجار
في ان واحد صوب العتمة والتلاشي والابهام .
وللحقيقة اجد ان البعض اسير وهم ماضوي يتجدد بقلق
مضارع دائم وبتضادات غير محسوبة كالشك في يقينيات غير
مستقرة .. فتوجساتها مشروعة ربما من ( مدنسات ) لم تزل
تستهدف قدسية اشيائها بعدة وجوه الافصاح ، وستظل
تتقصدها بمكنوناتها (كليمونة) ساقطة بين حجرين .
فالبوح احتراقا قد يكون مقصودا كاعتراف يعلل النار
للامساك بتلابيبهاا وبيان المعنى كي لايظل مباشرا
ساذجا يسعفه الشاعر بترميز مقصود ، فيضع احتمالات
التأويل هدفا وباكثر من معنى لاخفاءالسبب وحقيقة
التسبيب وبتاريخ اشاري محدد يضع الزمن هاجسا له بصور
متعددة ، لذلك يترسخ التشخيص بمردودات السبب مباشرة
تمثيلا او حصرا ، ويتركز في مسميات تجد الاتهام ضالة
ودالة وصفية دافعة تجترح الاسئلة والشك للوصول الى
برهان الحقيقة الشعرية المستهدفة جمالا.
ويبدو الطرح احيانا على غير سياق الوصف .. طرح يرمي
الى الايهام في التحايل على المعنى ،( فالطغاة ) مثلا
.. وكما درج عليه العرف بانهم ذوي ( قلوب الحجر ) قد
لانجده بهذا المعنى مثل حقيقةالنار التي نعرفها والتي
لانعرفها !! .. وبهذا الغريب المتقاطع يحل التواشج بين
امساكنا بالنار لاحراق قلوب الطغاة وبالنفور عنها
ككريهة رغم فضائلها الكثيرة ، وهذا لايكتمل المشهد الا
باستعارة شعرية اخرى كظلال لتلك النار والحرائق
..لانها كالاراجيح والطواحين .. لها صلة مباشرة بمسببب
عتي يديم حراكها ويمنحها التاجج والتالق، ومن ثم يتيح
لها الانطلاق والديمومة ( ولا شيء سوى الهواء )..
فالصرخة اذن يجب ان تكون للهواء لا لغيره ، وهذا
مايضع الشاعر بمكانة الريح وصرخته العاصفة بوجه من لم
تحركهم اشتعالات مايجري على الارض من كوارث !! ، وعليه
فهو احتجاج تحذيري لادانة الصمت كواقع حكم ولمن اختار
السكون مخرجا متخاذلا مذلا .
ان الشعراء ك(الحروب ) عتادهم ( الناس) ، لذلك هم
الخاسرون ابدا ، فحين يتبنى الشعر ( الحرب) بايقاد
وسائلها شعريا ولو باسنانها اللبنية المؤقتة .. فالحرب
جزء من تكويننا السلبي وهي قوة كبيرة ندخرها مجبرين
بارواحنا ... وبافتراض انها ( دائمية ) يتضاعف فمها
اتساعا لابتلاعنا في زمن آنيتها المبتكرة ، وهذا
مايريده النص في بعض تضاعيفه .
فهل هذا مجرد راي اضعه كمستهل لايقاد جذوة النقد
شعريا ؟
اجل .. فالشاعر من يعيش حالة الحرب باستثنائية تدينه
اكثيمة لهجاء وحشية الغاب في الموت والبطش وليس العكس
، وبما يدحض الغزاة والطغاة والحروب .. اعني الحروب
التي لاحيال لنا ازاءها الا بالحروب !! .
|