|
انتحار بيشمركة ( صفحات من دفتر ذكريات بيشمركة )
حمودي عبد محسن
ران الصمت على المقر المتكون من ثلاثة قاعات ، وبدأ
النهار صحوا ، والهواء العليل مشبعا بالشمس ، والسماء
صافية ، ، وخرير لماء يجري من ينبوع متلألئا في أسفل
وادي الخيول ، والأشجار بدت خضرتها لامعة ، وكانت تهتز
أوراقها بفعل الهواء ، وتخفف من حدة الشمس ، لقد ساد
المقر ألق هادئ . وحدها الظلال في منامها على الأرض ،
وكان سحر الشمس يبدو تأثيره على حركة البيشمركة في
المقر ، ، وكرتها تسبح في السماء لترسل أشعتها الدفء ،
والضوء ، فهي مرئية من الوادي العميق المحاط بالجبال ،
ونورها الضارب باهر ، يتدفأ فيه البيشمركة ، كان أبو
غايب مدرك لهذه الراحة مع انسحاب النهار الهادئ الصافي
، وقد عزل نفسه وحيدا في القاعة الكبيرة ، ربما – كان
يقول : ( عشت ما فيه الكفاية ) ، لا أحد يدري ماذا كان
يفكر ، كان هادئا ، وطبيعيا ، ولاعب شطرنج جيد ، وهو
أرمني ترك عائلته في أرمينيا ، وحائز على شهادة
الدكتوراة ، يبتسم لما حوله ، ويشارك في أعمال المقر
بروحية متفانية ، وشعور عال بالمسؤولية ، أحب
البيشمركة ، وأحبوه ، ويستمتع بمجالسهم ، ويعيش ساعات
الهروب من النهار ، لم يدرك أحد أنه يعيش في حزن دفين
، وقد هزم الآلام المشرقة في نفسه ، رغم رائحة الزهور
تفوح حول ينبوع الماء ، فهو لم يتهرب من واجبه ،
ويمكنه أن يجمع باقة ورد ، ويقف شامخا ، إلا أنه يخر
راكعا لحزنه الدفين ، الذي لم يشعر به أحد ، فقد أدمى
قلبه ، وعيناه بالكاد تنفرجان عن ألمه ، ما هو ألمه ؟!
لا أحد يعرف ، يستيقظ في الفجر ، وتملأه الدهشة ،
وينام في الليل ، لأنه لم يكن هناك سبب لتعاسته ، ولعل
– صوت يناديه أن يتوارى عن الوجود ، ويذهب إلى الموت ،
كأنه يدري أن الصمت أمر ملزم ، مثل فراشات في فردوسها
، مثل الطيور رقصها بطئ في أجوائها ، ولون عينيه مسكن
تختبئ فيها الإرادة .
في هذه اللحظات نهار جرئ ، حين تسود الصلوات ، إنها
لحظات تلمح في العينين ، لا تريد الانطفاء ، لكنها
جامدة ، أن يرقد الرقاد الطويل ، ولا يطلق صرخة ، كل
شئ يجري في الصمت ، الصمت الذي يطلبه في القاعة
الكبيرة ، خارج الفراشات المذهبة منذ قرون ، منذ قرون
تفوح منها رائحة الزهور التي ترفرف فوقها ، ركام فوق
ركام أن يسير أبو غائب في ممر دامي ، لقد فتح يديه ،
وصدره ، عند الظهيرة ، كهذا نهار الذي ترقص فيه الشمس
، أن يقترف شيئا بحق الذات ، كي يموت في النهار للمرة
الأخيرة ، ويموت القلب للمرة الأخيرة ، ليكون
البيشمركة حزانى ، ويذكرهم بالإنهاك ، كما لو أن الصوت
قادر على التفكير ، سيقترف الموت في هذا النهار ، أنه
متعب من الكلمات ، هو متعب يجب أن يفتش عن نفسه عبر
راحة الموت ، أنه ضائع لا محال ، أي عناء يلقي أبو
غايب نفسه ، لم يعرف أحد الآلام التي فيه ، وماذا
سيحصل لو أباح بها ، فالكل يمعن في التفكير كثيرا ،
والكل يقف إلى جانب الآخر متضامنين ،فقد كان كل شئ
صامتا في القاعة ، إلى أي قناعة وصل إليها ، تفاصيل
الذاكرة ، تصور العالم ، مخابئ لا تحصى ، أي نفق يختفي
فيه الضوء ، الحس التاريخي ، الفناء والتغير ، أية
قناعة تلك طاوية الألوان ؟! روحه مثل النغم الحزين
الرخيم ، جياش ، غامض ، جذاب ، واضح الملامح ، مجذوب
تضيئه نجمة خفية ، صوت واحد ينادي ، ويختفي ، يرن في
عطر الأشجار ، فيه ألغاز ، ورموز ، ذو إكليل ذهبي .
لم تعرف اللحظة ، تترقبه في القاعة الكبيرة عبر صدغيه
، بينما هو يغور في عالم، يفترس بتمهل ، يفترس صدى
الأصوات ، خرير ينبوع الماء ، الزهور المتفتحة ، السخر
من الزمان ، عما يبحث عنه في العتمة ، في الغيوم ،
السماء صافية بلا غيوم ، لو كان يصرخ لجلبوا له أوراق
الشجر ، صوت غريب ، و ضعيف ، أغمض عينيه ، وفتحهما ،
دون أن تطفر منهما الدموع ، عندئذ سحب البندقية ،
ووضعها بحضنه ، لكن دون جدوى أن يتردد ، كأن الموت
يؤدي مهمته ، تنهد بصوت مسموع ، ومع ذلك سحب أقسامها ،
ثم حول عينيه إلى أشياء القاعة ، كان يبحث عن شئ آخر
أقرب إلى نفسه ، عن شئ سمكن أن يركن إليه ، ويرتاح ،
لم يكن ذلك سوى البندقية ، فانبهرت عيناه ، وهو ينظر
إلى باب القاعة ، هو وحده يدري بماذا يفكر ، وعلى أي
شئ يعلق أماله ، بدا شئ ما ينبض في عينيه ، حاول
استيعاب نظراته ، ولكن دون جدوى ، فجمد فيهما الهدوء ،
فظهر على وجهه شئ من الأسى ، والألم ، وقد عجز أن
يتخلى عن رغبته في الانتحار ،
تقبل ذلك بصمت ، فخرجت من صدره آهات تشبه حفيف أوراق
الشجر ، فارقته الكلمات ، وتذكر عائلته ، هدأ ، واطمأن
، أن لا أحد يستطيع إيقاف رغباته ، أحنى رأسه ،
وارتسمت تعابير من الراحة على وجهه ، لم يكن هناك شئ
يدعوه للبقاء ، صمت ، وبقي دون حراك ، واندلقت أشعة
الشمس عبر نوافذ القاعة ، أخذ نفسا عميقا ، واعترته
الدهشة ، هز رأسه ، وخيمت عليه مسحة رقيقة على مفارقة
البيشمركة ، بكى في داخله دون أي صوت ، ودون دموع ،
وهو هدئ تماما : يرى صور الموت شجاعا دوما ، أساطير
الدم ، الموت الكامل ، الظل الآخر ، الجانب الآخر ،
وضغط على زناد البندقية .
27 \ 5 \ 2008
|