|
في الذكرى 27 لرحيل المناضل والكاتب المرموق شمران
الياسري

بصراحة أبو گاطع
ثياب الملك
هانس
كريستيان اندرسن من اشهر قصاصي الاطفال، واشهر قصصه
بيننا "ثياب الملك الجميلة".
قد
لا يكتفي كل قراء الجريدة بالاشارة الى الاسم.. ثم، ما
هو الضرر من تكرار القصة، بتصرف، يخدم جماليتها؟
اذاع
"مجموعة" من الناس، عشية الاحتفالات بذكرى تتويج
الملك، انهم قادرون على صنع بدلة لجلالته، عجيبة
غريبة، لا يراها الا الاذكياء.. ويبدو ان جهاز اعلام
"المجموعة" كان على درجة عالية من الكفاءة، بحيث وصل
النبأ ابواب البلاط خلال 24 ساعة.. وإنتشر
في طول المملكة وعرضها في بحر 48 ساعة.
بعث الملك
وزيره الاول ليرى ذلك النسيج العجيب الذي تصنع منه تلك
البدلة الغريبة، التي لا يراها الا الاذكياء.
ووقف الوزير يرقب بذهول المقصات والابر والمقاسات وهي
تتحرك بايدي "الخياطين" لتقطع وتفصل وتخيط القماش
الوهمي العجيب.... وقال في نفسه:
- اني لا
ارى شيئاً. لقد صدقت مخاوفي.. انا لست ذكياً. وهذا شيء
ثبت الان بالبرهان.. لا مناص من اخفاء امري. وعاد الى
مليكه.
- هاه..
كيف وجدت القماش؟
وراح
الوزير يتغزل بلون القماش... وحسن الفصال...
من ثم
تقاطر رجال البلاط على محل الخياطة، ليتثبتوا من وجود
الذكاء في رؤوسهم... وصار الواحد منهم يعود فيضيف
تفصيلات لم تلحظها عين سابقه، في لون القماش، و"قنوچة"
وبطانة السترة!
ثم جاء
دور الملك، ذهب ليرى، فلم يرَ شيئاً، ولكن أيصح ان
يعلن الملك غباءه؟!
صار هو
الاخر يمتدح البدلة..
وجاءت
مجموعة الخياطين، صبيحة ذكرى التتويج..
خلعوا
ملابس الملك القديمة، وراحوا يلبسونه البدلة الموهومة:
ارفع يدك
يا صاحب الجلالة.. اخفضها قليلاً.. ارفعها.. ادخلها
هنا.
ثم يمررون
اصابعهم من ترقوته حتى اسفل سرته، يزررون "الدكم"!
- والان
تستطيع ان تخرج الى الناس ياصاحب الجلالة!
وهكذا خرج
الملك في عربة مكشوفة (ربي ما خلقتني)... ويحدق الناس
في وجوه بعضهم.. الكثيرون امتدحوا بدلة الملك.. واقلهم
اكتفى بالصمت، تحت وطأة ارهاب الغباء.
غير ان
طفلاً، ساذجاً، لم تتبلور عنده مفاهيم الذكاء والغباء
بعد، هتف عالياً:
- هي!
الملك إمصلخ!!
وكان،
ومايزال حالنا (نحن متوسطي التعليم) مع بعض الشعر
"الحديث" حال الناس مع بدلة الملك.. التي لا يراها الا
الاغبياء..
وسوف
ارتضي لنفسي مهمة ذلك الطفل الساذج واصرخ –وأنا اقرأ
قصيدة- ان الملك "إمصلخ!" ثم اعود الى القصيدة فأقرؤها
من فوق الى اسفل، ومن اسفل الى اعلى... ويبقى الملك..!
الفجيعة
التي مرت.. والفجيعة الاتية، التي يحتفظ بها الشاعر
ببقايا حزن...
ولكن لحسن
حظي، لم أشاركه فجيعته... ولا اتفجع... وتبقى معالم
الدنيا مضيئة امامي.
وأقرأ
واحدة من قصائد الاستلاب والاغتراب "الالينة!" فاشعر،
اكثر من ذي قبل، اني لصيق بالناس... لا استطيع العيش
دونهم... ودون... و
وقصيدة
الضجر -حد الغثيان- من المدنية والمدينة، توضح لي اكثر
فأكثر كم نحن بعيدون، بعد، عن المدينة.. واننا نعيش في
الريف - وإن سكنّا بغداد-.. وان تلك القصيدة لا تصلح
الا على لسان "مستلب" باريس!
وبوسعي ان
اعلن الكثير - كما فعل الطفل الساذج- وليتقولوا...
ولكن ثياب
الملك تبقى موهومة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت هذه المقالة التي كتبها
الراحل الكبير في جريدة "طريق الشعب"- 4 / 7 / 1974
مركز الإتصالات الإعلامية ( ماتع )
- الحزب
الشيوعي العراقي
|