|
تأملات / اللجوء الى "المسكّنات"
!
رضا الظاهر
أعلنت وزارة التجارة، الأسبوع الماضي، عن توزيع جميع
المفردات ضمن الحصة التموينية خلال شهر رمضان، مع
إضافة كميات من السكر والبقوليات.
والحق إن هذا يعبر، من ناحية، عن اهتمام الوزارة بسد
حاجة المواطنين خلال الشهر الفضيل، لكنه يكشف، من
ناحية أخرى، عن منهجية سائدة في نمط تفكير مسؤولين.
وجوهر هذه المنهجية هو اللجوء الى "المسكّنات"، أي
الحلول المؤقتة، أو العرجاء إن شئتم. فلماذا يقتصر
توزيع الحصة التموينية كاملة على شهر رمضان فقط ؟
لماذا لا توضع خطط مدروسة وتتخذ إجراءات عملية حتى
تشمل الحصة التموينية الكاملة كل شهر، وهو حق
للملايين، وخصوصاً من تثقل ضائقة العيش كاهلهم ؟
ولا مجانبة للحقيقة في القول إن منهجية المسكّنات
تتفشى في ميادين الحياة المختلفة، السياسية
والاجتماعية والاقتصادية. ويمكننا رؤية أن جهات مسؤولة
تترك كثيراً من العقد الرئيسية دون حل، إما عجزاً أو
إهمالاً، وربما عمداً في حالات معينة، وبالتالي دون
تفكير بالمخاطر اللاحقة، حيث التراكم يمكن أن يؤدي الى
انفجارات لا تحمد عقباها، أو في أقل تقدير الى مزيد من
التعقيدات أمام الحل المنشود.
وبوسعنا أن نجد أمثلة كثيرة على هذه المنهجية، حيث
يجري تأجيل دراسة قضايا ملحة، أو دراستها بصورة
مرتبكة، وترحيل أخرى الى وقت لاحق، وتشكيل لجان،
تحقيقية أو تنفيذية أو سواها، غالباً ما يبلغنا
مسؤولون إنها "بصدد" دراسة "القضية"، ووضع حلول
"ناجعة"، تتوافق مع مصلحة الشعب والوطن، لتنتهي الأمور
الى دهاليز النسيان، وعلى نحو يكشف عن الاستخفاف بذكاء
الناس وإرادتهم.
ولسنا هنا في وارد الدخول في نفق "المسكّنات
السياسية"، وأمثلتها كثيرة هي الأخرى، ذلك أن
"توافقات" مستندة الى "محاصصات" لابد أن تدفعنا الى
متاهات داخل هذا النفق.
ووسط التباسات البطاقة التموينية، والتباسات ضيق العيش
عموماً، تتجلى صور المعاناة المريرة على مختلف الصعد.
ومن المثير للأسى، بل والاحباط، أنه في هذا البلد الذي
زادت ميزانيته في العام الحالي على 70 مليار دولار،
ومن المتوقع أن تصل الى 100 مليار دولار العام المقبل،
نجد ظواهر تثير السخط. فأربعة من بين كل عشرة عراقيين
لا يتقاضون، حسب تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في
آذار الماضي، أكثر من دولار واحد في اليوم (وهو
المعيار الذي تعتمده الأمم المتحدة لقياس الفقر
المدقع)، بينما تعجز الحكومة عن توفير الحد الأدنى
الضروري من الخدمات الأساسية، كالماء والكهرباء والصرف
الصحي والوقود والسكن، ويعاني الملايين، وخصوصاً
الأطفال، من سوء التغذية في ظل نظام صحي يقف على حافة
الانهيار، فضلاً عن تفشي البطالة، وغياب فرص العمل،
والتمييز في الحصول عليها إن توفرت، واستشراء الفساد.
وتترافق مظاهر الأزمة هذه مع استمرار جهات مسؤولة على
تحويل الملف الأمني الى مشجب تعلق عليه عجزها في
الميادين المرتبطة بقوت الشعب وصحة أبنائه وحقوقهم
الأساسية. وفي ظل الادارة البيروقراطية، وغياب الخطط
المدروسة والبرامج الواقعية، وآليات الرقابة على
الحكومة، وتفاقم صراع الامتيازات الذي يتخذ تجليات
مختلفة، والفوضى في توظيف الموارد الهائلة للبلاد على
النحو الذي يحقق حاجات الناس ومطامحهم، ويضع عملية
إعادة الاعمار في المسار الصحيح، بوسعنا أن نرى
الملامح الجلية للأزمات المستعصية، والصراع المحتدم
حول وجهة التطور ومستقبل البلاد.
أما قصة البطاقة التموينية ففيها كثير من حالات الفساد
والقصور. وفي تصريحات له، الأسبوع الماضي، كشف وزير
التجارة عن بعض هذه الحالات عندما أشار الى أن أجهزة
الرقابة والتفتيش تتحمل مسؤولية كبيرة في رصد
المخالفات وعمليات الغش التي تمارسها مطاحن أهلية في
نوعية الطحين المجهز للمواطنين، والتلاعب الذي يقوم به
الناقلون الوسطاء بين هذه المطاحن والوكلاء، وهم وسطاء
لا مبرر لوجودهم طالما أنهم يقفون وراء عمليات
التلاعب. ويقوم بعض الوكلاء بممارسات سيئة بينها
استبدال مواد الحصة التموينية الجيدة بمواد أخرى أقل
جودة، بل وبمواد فاسدة أحياناً. هذا فضلاً عن مشاكل
عدم انتظام توزيع مواد الحصة ورداءة نوعية بعضها
وارتفاع ثمنها، وعدم توزيع النفط والغاز ضمن موادها
على الرغم من وجود قرار بذلك، ناهيكم عن تدخل جهات
مختلفة غير حكومية وتحكمها بالحصة ومفرداتها.
وأما المعضلة الأعظم المرتبطة بقضية البطاقة التموينية
فتتمثل في الضغوط التي يمارسها صندوق النقد والبنك
الدوليان، اللذان يتعاظم نفوذهما وتدخلهما على الضد من
مصالح الملايين من كادحي شعبنا.
* * *
لا يصح أن يجري التعامل مع قوت الشعب في إطار
"المكرمات" في المناسبات، فهذا يتعارض مع حق الجميع في
الحياة، كما أنه يذكّرنا بنظام الاستبداد المقيت، الذي
كان يوزع "مكرماته" على من يشاء ويحجبها عمن يشاء.
الصحيح أن نقيم دولة مؤسسات وقوانين لا يتكرم فيها
مسؤول قادر على صرف أموال حسب مشيئته على مواطن مسكين
لا حول له ولا قوة.
في هذه البلاد، وهي مجتمع تفاوت طبقي، صائمون من نخبة
متنعمين، وصائمون من ملايين المحرومين. الأوائل يفطرون
على ما يتخم، والأخيرون على التمر والماء القراح
!
طريق
الشعب
|