|
عمودي بحر العلوم وآية الله عجعوجي
تقي الوزان
بعد مايقارب العشرين عاماً , عرفت من شقيقه انهم من
بيت بحر العلوم . كانت دهشتي كبيرة : ياسبحان الله !!
عمودي بحر العلوم ؟! يستغرب الكثيرون من هذه الدهشة ,
ولكن الذي عاش حياة الانصار يعرف سبب هذه الدهشة .
عمودي , او عماد كما يحلو للبعض ان يسميه , كان من بين
اصغر الملتحقين في صفوف بيشمركَة الحزب الشيوعي
العراقي , ولم يكن يتجاوز عمره السادسة عشر ( ربيعاً
) , وحصل على عضوية الحزب بعد عامين حيث اكمل السن
القانوني للانتماء . عمودي اصبح احدى اغنيات
البيشمركََة التي رطبت تلك الحياة الجافة والقاسية ,
ليس في قاطع بهدنان الذي يعمل فيه فقط , بل في قاطع
اربيل , وقاطع السليمانية وكركوك , والاعلام المركزي
والمقر القيادي الرئيسي .
عمودي - آخر العنقود كما يقولون - لعائلة نجفية مناضلة
, عصت على البعثيين عام 1963 وهي سنة ميلا د عمودي ,
وانتقلت بالكامل للاختفاء في بغداد بين الثورة
والكرادة والطوبجي وعكَد النصارى , واستفاد الوالد
رحمه الله هادي علي مرتضى من مهنته في الندافة
للانتقال المتكرر بين هذه الحارات الغير معروف فيها .
واحد اشقاء عمودي اسمه حسين كان يعمل في احدى الفصائل
الفلسطينية مع مجموعة وديع حداد , وفي عام 1972 القي
القبض عليه في عملية عين تيبة لاختطاف احدى الطائرات ,
واطلق سراحه عام 1982 على اثر عملية تبادل اسرى مع
القيادة العامة حيث بدل 1263 اسير فلسطيني مقابل اربعة
جنود اسرائليين .
عمودي اسمه الحقيقي ( سلام ) متوسط الطول , عريض
الكتفين , ويداه تصل الى الركبة او تتجاوزها قليلاً ,
جبهته عريضة , ولا استطيع ان اقول رأسه كبير لانه
لايقبل وربما سيسبني , بل اقول ان شعره كث ولم يحلقه
لفترة طويلة – واذا قرءها عمودي سيضحك ويوافق على طول
الشعر - , طيب بشكل لايصدق , ولايعرف الحقد طريقاً الى
قلبه , كان يقاتل نظام صدام ليس بسبب حقده عليه , بل
لتخليص اهله والعراقيين من شره , ويعتبر كل الانصار
اهله , ويتحدث بصوت عالي حتى في ادق الامور العسكرية .
يعيد ( النكتة ) مئة مرّة ويضحك عليها في كل مرّة اكثر
من سابقتها . كانت تخرج له زيادات طولية لحمية في انفه
ويصبح اشبه برأس العلي شيش , ويتم استئصالها بين فترة
واخرى من قبل احد الاطباء بدون بنج .
الشيوعيون معروفون بالقراءة الكثيرة , ومكتبة القاطع
قرءت عدة مرات , ومصدر الكتب اما من القصبات والمدن
الكردستانية , او التوصية عليها مع الاصدقاء لجلبها من
المحافظات الاخرى , او تأتي مع الرفاق القادمين من
الخارج . عمودي مثل باقي الرفاق يحب القراءة , ولكنه
كان يرغب الروايات . وفي احدى المرات كان يرعى عدة
معزات , يجري الاحتفاظ بها لذبحها ايام الشتاء الطويلة
حيث تنقطع الطرق لاشهر بسبب الثلج الكثيف , وكانت معه
رواية الياطر للكاتب السوري حنة مينة , وانسجم مع
الرواية وترك الحيوانات تسرح براحتها . وعندما انتبه
لم يجد اثراً لها , عاد وحده الى المقر يتأبط رواية
الياطر .
بعد عدة ايام اشترى القاطع عنزين ذكرين , وقبل ان يخرج
بهما عمودي الى الرعي , طلب منه المسؤول الاداري ان
يحلبهما قبل الذهاب . عمودي على عادته عندما يكلف
بعمل- يتحمس لانجازه - , جلب من المطبخ قدر متوسط
الحجم ووضعه تحت العنز الاول . وبدء يسحب بخصيتيه واخذ
العنز يصرخ , كان عمودي يعتقد انه كلما ضغط بقوة
سيندفع الحليب , الا ان العنز تهستر بصراخه حتى سمع في
مقر الفرع الاول للحزب الديمقراطي الكردستاني وكان
يبعد عن مقرنا اكثر من كيلومتر . عمودي لم يفقد الامل
فجرب مع العنز الثاني , وكان اشرس من العنز الاول ,
فبالاضافة الى الصراخ اخذ يرفس ويدفر برجليه ( يزاكط )
حاله حال الحمار او البغل , والحليب لم يخرج .
عمودي لديه الكثير من الاحداث التي يتناقلها الانصار
باعتزاز في مفارزهم ومقراتهم , واحدى صور هذا الاعتزاز
تجسد في تلحين اغنية من قبل الملحن العراقي الكبير
كوكب حمزة , وكان يضبط ايقاعها الراقص على صوت كلمة
كردية تستخدم لحث البغال على الاسراع في المسير ( هجده
... هجده ) , ويؤديها مجموعة من الفنانيين والبيشمركَة
وتكون الاكثر حماسة وطرباً من بين كل الاغاني التي
يحفظونها , وعمودي من ضمن الجوقة طبعاً .
في احد الايام تمكن الفنان المسرحي هادي الخزاعي ( ابو
اروى ) مع رفيق آخر اقناع عمودي بعد جولة طويلة من
المناقشات , والمعرفة المسبقة باحلامه , وتحليل نوازعه
الانسانية , والانتقال للحرمانات الجنسية في كردستان ,
وما تتركه من انحرافات خاصة وانه يكرر دائماً كونه
لايزال (باكراً) , والاحتمال الاكثر رجاحة ان يتحول
الى انثى . . لحظات وظهر القلق على عمودي , واخذ يفكر
باضطراب . وعمودي عندما يفكر بشكل جدي , يتعب بسرعة ,
ويفقد السيطرة على باقي الاشياء . مرّ من امامهم في
هذه اللحظة المسؤول الاداري لفصيله " ابو نضيلة " ,
وكان قد طلب منه في الصباح ان يعطيه رأس بصل مع الغذاء
. فسأله : ها ابو نضيلة وين راس البصل ؟ اجابه : اذا
انطيك لازم انطي للكل , وما عدنه بالمخزن هاذي الكمية
. شاط عمودي واجابه بحدية : والله العظيم اذا صرت مره
اصادق كل الانصار ( وما اصادقك ) لو تموت , حتى بوسة
هم ما انطيك .
كان عمودي ينوي الذهاب في مفرزة الى مقر الفوج الثالث
بعد الظهر , وفي الحادية عشر قبل الغذاء تخطانا وجلس
في موقع قريب يتوسط صخرة كبيرة اتكأ عليها وامامه
شجرتين وادغال . كان في وضع استرخاء , ويوحي
بالاسترسال في التفكير , وهذا ما حرض الشك عندي .
فأستدرت من مسافة قريبة, وجئت من خلفه , سمع صوت
حركتي , لملم نفسه , والتفت بسرعة , لم يتمكن من اخفاء
ورقة كتاب وحيدة في يده , طواها ووضعها في جيبه ,
وتلعثم . قبل يومين عرفت من مسؤول المكتبة في القاطع
" ابو سعد "ان رواية الياطر التي عليها اقبال جيد في
القراءة , استقطعت منها ورقة تصف عملية جنسية . فاجأته
بتأنيب لم يتوقعه , وكيف يسرق ورقة من الياطر هي ملك
لكل الرفاق ؟! تبلد بالكامل , وسألني بلا تركيز : شلون
اعرفت ؟ صورت له هذه الورقة اهم من البيان الشيوعي
لماركس , وان سبب ضربة الحزب هي بسبب الاخطاء اللي
ارتكبوها باقي الرفاق مثلك . المهم عمودي بدء يتوسل ,
فأخبرته : بأن يأتيني بقنينة ( عركَ ) عندما يعود مع
المفرزة , وذلك ان القرى القريبة من الفوج الثالث فيها
من يبيعه , حتى اسكت (الحزب منع منعاً باتاً تناول
الكحول في كردستان ). تحير عمودي, ولكني لم اتزحزح عن
الشرط , فسألني : وما تفضحني ؟ فأكدت له لن ( افضحه )
, وبس هذي المرّة ؟ طبعا بس هذي المرّة . الا ان عمودي
جلب لي بعدها قنينة اخرى على اساس الصداقة , وهو يعرف
اني سابتزه ان لم ياتي بها , ولكي لاتعاد عليه مواد
الاتهام والتهديد ب( الفضيحة ) آثر ان يأتي بالقنينة
كهدية .
بعد هجوم الانفال على كردستان , خرج بعضنا من الكبار
في السن والعوائل والمرضى الى دول الجوار . كنت اسير
مع صديق في ( كوجه مروي ) في طهران , والكوجه تعني
الزقاق , ومروي : الدلاّل , وهو زقاق يتفرع من شارع
ناصر خسرو الرئيسي في مركز طهران , ويرتاده العراقيون
بكثرة . كوجه مروي معروفة بكل انواع المحرمات
والممنوعات , تزوير عملات , جوازات سفر , صفقات مواد
مهربة , مواد مخدرة . . الخ , وهي مركز للامن
والمخابرات الايرانية . ومن بين الصخب والزحام سمعت
صوت عمودي من خلفي يلعلع : آية الله العظمى ابو العج .
( اخترت كنية ابو عجو في الانصار , وعجو في اللهجة
البغدادية تعني السمين والقصير معجعج , واتخذت هذا
الاسم لملاطفة بعض الذين اتخذوا اسماء ثورية كبيرة )
حاولت ان افلت منه في الزحام , كررها واصبح اكثر قرباً
: آية الله عجعوجي . التفت اليه , وحاولت بحركة من يدي
ان اسكته وهو لايبعد اكثر من خطوتين : انت ليش متجوز
من سوالفك ؟ بايران , وبهذا المكان المشبوه , وتصنف
النوب على آية الله , تريد تحبسنه ؟! اجابني وضحكته
تجلجل : آني غير احبك وكَتلك آية الله عجعوجي , وضربني
على كتفي . لك اسكت من حبتك حية , ووجدت ان لافائدة من
تنبيهه , بالعكس ازداد ضحكه , تذكرت فجأة : عمودي اذا
اتكرره مرّة ثانية تره افضحك , وتعرف شأقصد . لم اتوقع
ان تتبدل ملامح عمودي بهذه السرعة , ويسكت , ويحاول ان
يتركنا بأسرع وقت .
|