|
في عقده الثامن ومازال يبدع.......إنه رفعت الجادرجي
بعد تكريمه بجائزة الشيخ زايد للكتاب ........ ماذا
يقول عن كتابه ،عن العراق ؟
زينب الربيعي
في أبوظبي وبالتحديد في تاريخ 12 آذار 2008 حصد
المعماري والمنظر والكاتب رفعت الجادرجي جائزة الشيخ
زايد للكتاب عن فئة الفنون عن كتابه " في سببية وجدلية
العمارة " حيث أشار إلى التراكم الكتابي الذي طال لعشر
سنوات حتى إنجاز هذا الكتاب، موضحا أن فن العمارة الذي
يناقشه الكتاب لا يمكن أن ينفصل عن ثقافة المكان
والحضارة الذي يمثلها، بل أن هذا الفن يتجاوب مع
الحسيات ومع المحيط الاجتماعي بشكل كبير، وأشار
الجادرجي الى المنظور الجديد الذي يحاول تقديمه من
خلال الكتاب لمحددات فن العمارة بين الحاجات النفعية
والرمزية والجمالية على المستويات الجماعية والفردية،
وأن الرؤية للمعاصرة التي طرحها في فن العمارة الحديث
وإن كانت مشبعة بالقيم الجمالية المطعمة بالعناصر
التراثية، إلا أنها تقوم بدورها الوظيفي البحت الذي
يقوم على حسابات هندسية دقيقة.
كان لي هذا الحوار معه عن كتابه الفائز وعن العراق
وعلمه وعن تصوراته حول أعمار العراق.
• قدمت تفرقة واضحة بين العالمية والعولمة دون تعميم
الإدانة، وذلك في استعراض للمفاهيم الأقدم منذ فجر عصر
النهضة وصولا إلى العولمة وإلى فكر العمارة التي روجت
لها، وهي عمارة الإثارة والعبثية والتبعية للمركزية
الغربية .. لمن لم يقرأ كتابك، كيف توصل له هذه الفكرة
بشكل مكثف وعميق ؟
لقد عرفت العمارة الدولية بكونها تلك التي ابتكرت
وتطورت في الغرب، وقد انبنت على التطور التكنولوجي
الصناعي الذي أقدمت عليه اوربا وابتكرته . والعالمية
هي امتداد إلى الحداثة ومن قبلها المعاصرة . فحينما
كانت المعاصرة هي محصلة للتطور المعرفي والأيديولوجي
الذي حصل مع عصر النهضة والذي كانت قاعدته تجاوز الفكر
الديني واعتماد تشخصية الفرد، وقيادة المجتمع من غير
اللجوء إلى أساطير وخرافات الأديان كما كانت رائجة
ومهيمنة على الفكر في عصر الظلمات، فقد جاءت القرون
الوسطى وفصلت المعرفة والبحث فيهما عن الأيمان، مسألة
لم نزل نتخبط بها . وبهذا تمكن الفكر في اوربا من
تحرير ذاته واستحداث التقدم المعرفي والفني الذي حققه
عصر النهضة . ومن أهم مقومات هذه النهضة هو ظهور حرية
إرادة الفرد، فتمكن المعمار النهضوي من تجاوز التقاليد
وابتكار عمارة جديدة . المهم في هذه الحرية في أنه
تمكن من الرجوع إلى الحضارة الإغريقية و الرومانية،
واعتماد الكثير من مفاهيمها في المعرفية والفن . ومن
بين أهم ما اعتمد هو تعدد الآلهة الإغريقية وما تتمتع
هذه من أساطير جميلة، والتي كانت مدعمة بمنحوتات وصور،
والتي تفتقرها الحضارة الإسلامية . فأقدم فنانوا عصر
النهضة وتجاوزا بالقدر المناسب فكرة التوحيد الإلهي
واعتماد التنوع الذي سخروه في ابتكار فنون متنوعة من
رسوم ومنحوتات إلى الآلهة المتعددة القائمة في
الأساطير الإغريقية والرومانية، وبهذا أغنوا مجال الفن
وتنوعت قدراتهم . ومن بين ما حققوا ابتكروا عمارة عصر
النهضة .
بعد المعاصرة ظهرت الحداثة، وقد إنبنت هذه العمارة على
تكنولوجيا المكننة . ولذا للمرة الثانية خلال فترة
قصيرة تمكنت اوربا من إحداث نقلة أخرى في تطور الفكر
والمعرفة بما في ذلك العمارة ومختلف الفنون . فابتكروا
عمارة الحديد والصلب في أواخر القرن الثامن عشر .
وتجلت هذه العمارة في دور نشوئها بمنشآت المستنبتات
والجسور وقاعات المعارض، وذلك في انكلترا وفرنسا
وروسيا وهولندا وبلجيكا وغيرها من البلدان الاوربية .
العمارة الدولية هي تلك العمارة الحديثة التي ابتكرت
وانتشرت في اوربا، وانتشر تأثيرها في العالم الثالث .
لم يكن العالم الثالث بما في ذلك العالم العربي متهيىء
لتلقي هذه العمارة والتعامل معها تعامل مجدي، وذلك
لأنه لم يمر بمرحلة العصر النهضوي وعصر المكننة، ولم
يمتلك شبكة كلجريات التي تتمكن من استيعاب الفكر الذي
انبنت عليه العمارة المعاصرة بصيغها العالمية . ولذا
نجد في الوقت نفسه لا تخلو ايديولوجية العمارة العلمية
من رؤية مركزية والتعالي على العالم الآخر المتخلف .
تتجاوز العولمة الحدود الوطنية والقومية وشبكة
الكلجريات المحلية، بما في ذلك مختلف الأيديولوجيات
المحلية والأديان والتقاليد . لأن العولمة تنبني على
اقتصاد مترابط في شبكة واحدة، وبما أن اقتصاد دول
العالم الثالث لم يتقدم بالمستوى المناسب ليتمكن من
تعامل مناسب مع تكنولوجيا العولمة، فظهرت عمارة هجينة
بسبب نقل التكنولوجيات المتقدمة إلى مختلف أرجاء
العالم حيث اصطدمت القدرات المحلية المتخلفة والتي
تعجز عن استيعاب مفاهيمها وتكنولوجياتها . فأصبحت
وظيفة المعمار في العالم الثالث هو استنساخ عمارة
العولمة من غير قدرة تكييفها لتصبح مناسبة بالنسبة
لظروف المحلية، المناخية، التقاليد الجمالية وصيغ
المعيشة .
لذا نجد الأشكال الهجينة في مختلف مجالات الحياة، في
العمارة والتأثيث والأدوات المنزلية والملبس وغيرها .
فأصبح غالب الفكر المعماري العربي تابع من غير قدرة
ابتكار عمارة معاصرة التي تتوافق مع ظروف معيشته إلا
ما ندر . وذلك لسببين، عجز تكنولوجيا المحل، وعجز
التعليم الأكاديمي في العالم العربي عن تفهم متطلبات
المعاصرة, وتبعا لذلك متطلبات التعامل مع العولمة .
فانحصر التعليم في ترويج كرافيكية الشكل من غير البحث
في المركبات الجدلية التي تؤلف مقومات الإبتكار . لقد
ظهرت العمارة المعاصرة والحديثة في اوربا محصلة إلى
تطور متدرج، وفي مراحل التي مكنت المعمار من استيعاب
متطلبات التطور، ولذا لا يجد المعمار الاوربي ضرورة
إلى نظرية التي تقوده فلقيادته حدسية متأثرة بالعمارة
القائمة في البيئة المعمرة منذ عصر النهضة . فيلاقي
هذه العمارة في الشوراع والكنائس والمحلات العامة ،
لذا تنمو مع معيشته اليومية الحسية المناسبة لتقبل
تطورات العمارة المعارة ويكون له دور فيها . لا وجود
لهذه البيئة في العالم العربي، ولذا يجد المعمار
العربي نفسه في فراغ معرفي وحسي، فالبيئة المعمرة في
أحسن حالاتها، هي عمارة تقليدية فاتها الزمن بعدة قرون
وقد جمد تطورها منذ نشوئها . فالفكر المعماري العربي
يحتاج إلى نظرية علمية فنية التي تقوده في تعامله مع
العمارة لتعوض عن عوز البيئة التقليدية
• لم يمض على العراق عهد كان فيه المبدعون في شتى
المجالات لهم مكانة تستحقهم، بل كانوا دوما يستحقون
أكثر .. الآن هاجروا خارج العراق ليعيشوا، وبرغم
اغترابهم مازالوا يبدعون لأنهم قدروا أكثر خارج بلدهم
، فهل يحق لهم الانتساب لبلاد أكرمتهم أكثر من العراق
؟
لقد هاجر الكثير من الفكر المتقدم في العراق وسوريا
مثلا، إلى خارج بلدانهم وذلك لأسباب كثيرة، ولكني
أعتقد أهمها الإرهاب الفكري . التعامل مع الحداثة سواء
في مجال العمارة أم الفنون أم العلوم يفترض مسبقا حرية
التفرد والتفكير . هذا ما لم يمتلكه الفكر العربي عامة
.
• إنهم يتكلمون عن إعادة أعمار العراق، لكنه لم يصل في
عمرانه يوما إلى ما يتناسب ومكانته الحضارية أو ثرواته
أو مقدرة أبنائه . وفق رؤيتك الأكاديمية والفنية
والحسية، كيف لك أن تضع تصورا مبسطا لخطة أعمار العراق
؟ وهل طلب ذلك منك ؟
لم يطلب مني أحد ذلك لأن العمل يوزع بحسب الانتساب
الفئوي : الطائفي والمليشيات والمافيات . واعتقد بأن
العراق يحتاج لوقت طويل قبل أن يتمكن من تكوين كادر
فني يتمكن من وضع خطة مناسبة لتعمير العراق، ولكن مثل
هذه الخطة تفترض مسبقا حرية الفكر، وحرية الفكر تتطلب
بدورها الاستقرار وقيادة تمتلك المعرفة المناسبة
لتعامل مناسب مع العولمة . بينما القيادة في الوقت
الحاضر غالبهم معممين، خارج المعرفة والتطور التاريخي
. في الوقت الحاضر هناك الكثير من الفنيين والعاملين
القديرين في مختلف المجالات المعرفية، ولكن تأثيرهم
ضعيف لأن القيادة ليس فقط متخلفة وأنما عبارة عن
مافيات وميلشيات معممة متخاصمة . مع ذلك أنا اعتقد أن
هذه المرحلة لابد من أن تزول، لأنها لا يمكن أن تدوم
ضمن شبكة كلجريات عصر العولمة .
• نحتاج إلى عمل كثير كي يكون لنا وطن نعيش فيه لا
نتشرد ونهرب منه : خروج الاحتلال، الوحدة، حب بعضنا،
حب الوطن، التضحية، القضاء على الفساد بكل أنواعه،
وغيرها الكثير .. كيف يتم ترتيب أولويات عمل كهذا ؟ أي
ما هو مطلوب منا كشعب حر يريد العيش بكرامة ؟
على المتعلمين والذين يهمهم تأسيس عراق معاصر أن
يعملوا على تحقيق نقلة للمجتمع من نظام المجتمع الأهلي
إلى نظام المجتمع المدني، من الرعية إلى المواطنة، من
الطائفية والإثنية إلى حرية إرادة الفرد وحق التفرد
والتعددية . عند ذاك يتمكن الفرد من التفكر خارج هيمنة
رجال الدين والعقل المتخلف .
• تقول في مقابلة سابقة لجريدة الشرق الأوسط في عام
2004 " أعتقد بأن الشعب الذي لا يتمكن من صيانة إبداعه
هو شعب لا يمتلك ذاكرة يسخرها في المزيد من البناء
الحضاري، بل لا يعي بأن الذاكرة هي أساس في تكوين
وجدان المجتمع " .
هل تعتقد الآن بأن الشعب العراقي مسئول بالدرجة الأولى
عما آل إليه العراق من خراب؟ وبأن الشعوب هي من تصنع
أقدارها فعلا ؟
نعم تؤلف الذاكرة مقومات وجدان المجتمع . ولكن هذه
الحالة هي ليست بجديدة، فالفكر العربي لا يهتم في
ذاكرة الوجود لذا يهدم ويسرق تراثه ولا يهتم بالتوثيق،
لأن أساس قاعدة الفكر العربي هي ليس حرفية وإنما العوز
البدوي، كما إنه فكر في انتظار صعوده إلى فوق طبقة
الغيم، حيث سيلاقي هناك عالم من غير عمل وجهد، وعالم
كثير الطعام والجنس مع حوريات . إنها خدعة خبيثة ابتلى
بها العالم العربي . لقد تمكنت اوربا بعامتها تجاوز
بالقدر المناسب هذه الواهمة المريضة منذ بداية عصر
النهضة . و ما جاء عصر النهضة وعصر التنوير خاصة إلا
لتجاوز هذه الواهمة، وإلا لاستمرت اوربا في عصورها
المظلمة وهيمنة الكنيسة على العقل .
• الكثير منا يتابع بفخر إنجازات المعمارية القديرة
زها حديد، كيف تقيم أعمالها ؟ وهل صادف أن التقيت بها
؟ حدثني قليلا عن رأيك بها ؟
اعرف زها منذ طفولتها بسبب علاقتي القريبة مع عائلتها
. هي احد القادة الذين يقودون مسيرة عمارة العولمة .
• سنتحدث قليلا عن تصميمك لعلم العراق .. أنا
كعراقية وبعيدا عما قيل عن تشابه تصميمك مع علم
إسرائيل وغيرها من الانتقادات، لم أشعر بقبول نحوه
وهذا ما كان الرأي الغالب للعراقيين . في تصوري لو كنت
اعتمدت أمران في التصميم لقبل أكثر، أولهما : أن لا
يحتوي على رمز لأي فئة، وثانيهما : أن يبقى مقاربا في
ألوانه وشكله العلم الحالي لألفته منذ زمن طويل .
والأهم من ذلك هو توقيت تغيير العلم، فهناك أمورا أعقد
بكثير ينبغي حلها قبلا .. ما هو تعليقك ؟
العلم العراقي المستعمل في الوقت الحاضر قبيح جدا كما
هي أعلام العالم العربي بعامتها عدا المغربي والتونسي
والبحريني . إن الأعلام العالمية التي تحمل كرافيكية
متميزة هي الكندي، الإتحاد السوفيتي القديم
والإسرائيلي ويليها من حيث الامتياز الكرافيكي العلم
السويسري والياباني . إن الارتعاب من شكل علم إسرائيل
هو دلالة واضحة على هوية مهزوزة وخائفة .
•
بعد خمس سنوات من احتلال العراق، كمنظر وكاتب وليس
كمعماري، لأنه لم يحن بعد وقت الأعمار .. ما الذي
قدمته لدعم العراق وشعبه ؟
كتبت واكتب تعريف المجتمع المدني وأهمية معرفته، الفرق
بينه وبين المجتمع الأهلي . هذه المعرفة أساسية
للتقدم، ولم يحصل تقدم اوربا إلا بقدر ما تمكنت من
الإنتقال من الأهلي إلى المدني . إن التطور الصناعي
والتعليم الأكاديمي العلمي يؤلف قاعدة ظرف ظهور
المجتمع المدني، ولكن هذا المجتمع لا يظهر تلقائيا
وإنما يتطلب معرفة أهميته وقرار الشروع في تأسيسه .
zaimrub@hotmail.com
http://zainab-alrubaee.maktoobblog.com
ابوظبي
|