|
حمودي
الحارثي: كنت أعمل ممثلاً في الصباح.. ونحاتاً في المساء
علي
الربيعي

من منا لا يتذكر شخصية
(عبوسي)، الفنان الكبير حمودي الحارثي الذي رسخ في الذاكرة العراقية من
خلال تمثيلية (تحت موس الحلاق) التي كتبها الفنان الراحل سليم البصري
وأخرجها الفنان عمانوئيل رسام نهاية ستينيات القرن الماضي..
والذي كرس حياته لفنه
(شمعة تحترق) من اجل ايصال رسالته الفنية والانسانية، فكان شخصاً
مبدعاً ومتميزاً سواء في فن التمثيل (الدراما) أو الأعمال النحتية،
كتجربة لا يمكن نسيانها مهما تقادمت الاجيال..بهذه المقدمة المختصرة
التي أوردها الكاتب والاعلامي مازن لطيف بتقديم ومحاورة الفنان الحارثي
في ملتقى الخميس الابداعي الماضي، التي حضرها عدد من مثقفي واعلاميي
وأصدقاء المحتفى به، وبحضور الامين العام لاتحاد الأدباء والكتاب في
العراق الشاعر الفريد سمعان.. وقبلها قد وقف الجميع دقيقة صمت، حداداً
على روح الفقيدة الفنانة والمناضلة الكبيرة (زكية خليفة) التي ودعت
عراقها قبل يومين من هذا التاريخ للاحتفاء بالحارثي الذي حاول (حصر)
تجربته التي قال عنها:
نجارة
فينا
-
لا يخفى على
الجميع بأنني من عائلة تمتهن النجارة ومن النجارين الرواد في هذه
المهنة التي تمتد منذ العام 1952، حيث شقيقي الذي كان ينتمي للحزب
الوطني الديمقراطي ومحله الذي يحمل يافطة (نجارة فينا) الواقعة في شارع
المتنبي، والذي عرفني بشخصيات مهمة تمتد ما بين العام 1954 – 1956
أمثال: ناجي طالب، احمد محمد يحيى، ناصر لحماني، كعسكريين كبار
واعلاميين منهم زيد الفلاحي، ضياء حسن، فيصل حسون، سعد قاسم حمودي
وغيرهم من الشخصيات الاخرى التي كانت تتردد على المحل آنذاك،.. وبهذه
المهنة تعلمت فن (النحت) التي لما تزل تشكل لي هاجسا وهماً كبيرا لغاية
هذه اللحظة،.. والتي لم يرض شقيقي وعائلتي عدم امتهانها في ذاك الوقت
قبل
ثورة تموز
المجيدة وفي العام 1958
انتقلت الى البصرة لأعمل
نحاتا ومنها البداية الاولى في بيت الجراح زهير البحراني، واتمام
(النقش) لجميع زوايا الدار التي انبهر فيها البحراني نفسه، فكانت
البداية التي وثقت بأنني (نحات) وعليّ ان استمر في ذلك على عكس ما حصل
لي بعدها من طموح اخر كان بالصدفة.
الاستهانة
بالفنان
وبطبيعة الحارثي فنان
وصدقه في ذكر الاشياء كما هي،.. يقص حكايته على الحضور في الجملة
النابية (شعار) من قبل عائلته، التي رسخت وغيرت الكثير من مفاصل حياته
الفنية والتي قبلها عندما استهوته الرواية وكيف مزقها شقيقه وكانت
للكاتب الكبير مكسيم غوركي، وان التمثيل بالنسبة له كان (صدفة)!..
عندما قبلت في معهد الفنون الجميلة برسالة من الملك فيصل الثاني، الى
الفنان الكبير الراحل حقي الشبلي كطالب في الدوام الصباحي وفي العام
1958 كطالب للنحت في الدوام المسائي متذكرا اساتذته جواد سليم، وفائق
حسن وغيرهم.. ومن زملائه ايضا رافع الناصري، احمد قاسم النعمان، سعود
الناصري، عبدالقادر رحيم، عباس شلاه، مؤكدا دراسته التي استمرت حوالي
عاما ونصف العام فقط!.. منوها الى الاعمال التي قدمت في حينها ومنها:
مسرحية (الملكة زنوبيا) مع الفنانة عالية ممدوح التي كانت طالبة في
المرحلة الثالثة في مدرسة الاعظمية، ومسرحية (السيدة والكلب) لتشيخوف
مع الفنان صلاح القصب في منطقة الكاظمية،.. مستمراً بأعماله الاخرى
ومنها (تحت موس الحلاق) واعمال تلفزيونية مثل (كاريكاتير) و(الى من
يهمه الامر) مع الفنانات منهن زينب، ناهدة الرماح، مي شوقي، زهرة
الربيعي، فاطمة الربيعي، سعدية الزيدي، زكية خليفة وأخريات، وأوبريت
(شهرزاد) كقطعة موسيقية لـ(رنيسكي كارساكوف) مع مديحة الاطرقجي وافراج
عباس وممثلات من مدينة الكاظمية والتي اشتركت في مهرجان التربية
المدرسية آنذاك.. حيث يجمل كل تلك الاعمال بأن يحصل على مورد منها
ليذهب في جولة الى اوروبا للاستمتاع والتعرف على طبيعة الحياة الثقافية
والفنية في العالم!..
رحلة
دراسية
يذكر لنا الحارثي العائد
قبل (9) أشهر الى بغداد، بأن رحلته الدراسية قد أفادته كثيرا خاصة الى
فرنسا لدراسة فن الاخراج والتي طورت من خلالها تجربته في فن الديكور
والاضاءة والماكياج ومنها ما كان يخرجه للتلفزيون العراقي لفنانين
عازفين شهيرين امثال (جميل بشير، منير بشير، سلمان شكر، سالم حسين)
وغيرهم في السبعينيات والتي كانت تبث بالابيض والاسود، ودراسته كذلك في
القاهرة لمدة (7) سنوات (سيناريو واخراج) وحصوله على المرتبة الاولى
بين زملائه من الطلبة،.. وانه في الوقت ذاته (يتجول) الآن في بعض من
مناطق بغداد مستعيداً بذلك ذاكرته الاولى مع شوارع ومدن بغداد لانجاز
اكثر من مشروع فني قادم، وان اعادة تجربة (تحت موس الحلاق) من الفنانين
الشباب والتي قدمت قبل فترة كان اداؤهم جيدا ويقترب 70% من مجمل العمل
ولابأس في ذلك.
سعدي يوسف
وفي رسالة ضمنت الى جانب
الشهادات التي نقتضب منها والتي قرأت في حق المحتفى به ما جاء برسالة
الشاعر الكبير سعدي يوسف التي تلاها الكاتب والاعلامي مازن لطيف علي
والتي مفادها: (يشرفني ان تتاح لي فرصة الثناء على حمودي الحارثي،
الفنان الذي احب شعبنا، فأحبه شعبنا.. وأنا مرتاح لأن اناساً في العراق
لا يزالون يمتلكون شجاعة الرهان على الفن، ولتكن واثقا (يا مازن) بأن
الرهان هو الرابح اولا وأخيراً.. وان الشعوب تنخرها النوائب، لكنها لا
تقهرها)..
زمن أسود
فيما وصف الشاعر
والاعلامي كاظم غيلان، بأن الاحتفاء بالمبدع الجميل حمودي الحارثي
(عبوسي) الذي رسخ في الذاكرة العراقية ابداعيا والتزاما وطنيا في زمن
خال هيمن فيه المسرح التجاري الرخيص، كنا نبحث.. نبحـث ولا اكثـر.. بـل
ونتشبـث بالذاكـرة التـي تعيد لنا (تحـت مـوس الحـلاق) فـي زمـن اسـود
كـان الشرفاء والمبدعون يعيشـون تحـت حـبال المقصلة وتلاحقهم عيون
المخبرين وكتبة التقارير.
التأريخ
الشخصي
اما بالنسبة للشاعر
والاعلامي صباح محسن فيقول: بأن البحث في اكتشاف شخصية تتماهى مع
(التاريخ الشخصي) للانسان امر اطاح بأحلام الكثيرين عن ادخال النموذج
الدرامي في الذاكرة ليغدو حقيقة ماثلة تستنطقه الناس في كل ساعة ليبدو
حياً لا يموت. لذلك صار الفنان حمودي الحارثي، ذا مساحـة مفتـوحـة علـى
المشهـد الـدرامــي فـي الدخول اليها برؤية واسترخاء دون استئذان.
زهير الدجيلي
وقرأ نص شهادة (رسالة)
الشاعر والاعلامي زهير الدجيلي عضو الملتقى محمد سلمان ما نصها: (تحيات
موقع صحيفة الجيران للفنان الكبير فنان الشعب العراقي حمودي الحارثي
الصديق والأخ العزيز،.. ان صحيفة الجيران تعتز به ضيفا عليها مثلما
استضافته بالسابق وملتقى الخميس الذي يكرم ادباء وفناني العراق يكون
مناسبة وفرصة ثمينة لتحية وتقدير الفنان حمودي الحارثي الذي يعتبر الآن
من الرواد لجيل مازال يؤكد دوره الذي تألق منذ ستينيات ذلك القرن، تحية
للحضور المحتفي بفنان الشعب حمودي الحارثي وتحية له متمنين له طول
العمر والعطاء المستمر لهذا الشعب الذي يقدر فنانيه ويضعهم بالمنزلة
الرفيعة في وجدانه وذاكرته).
درع
الجواهري
وفي كلمة احتفائية للأمين
العام للاتحاد الشاعر الفريد سمعان الذي سلم (درع الجواهري) للفنان
الحارثي التي أوجز فيها معرفته الطويلة بالمحتفى به، ولكن كانت
اللقاءات بينهما قليلة جدا، فهو انسان عاش مدللا ومحبوبا من الجميع
متمنيا ان يقدم المعنيون في الشأن الفني والثقافي له خدمة،.. محييا
بدوره الحارثي وملتقى الخميس الابداعي الذي عود المبدعين للاحتفاء
بالرموز الفنية والثقافية والفكرية والاجتماعية.
|