|
المقدمة
وبعد هذه نفثات حاولت التعبير من خلالها عن الأفكار
التي تتزاحم داخلي،وأن أرسم صورة نابضة بالحياة عما
أريد أن أقوله...أفكار ربما تبدو ساذجة أو
غبية...ولكنها تعبير عن أحساس داخلي بما يجب أن يكون
عليه الإنسان بمداه الواسع،وما هو عليه العالم بما فيه
مــن متناقضات فرضتها الطبيعة،ونسجت خيوطها بأحكام
لتلف في شباكها كل ما يعيش في هذا الكوكب.أن الحياة
لغز محير وقف ألإنسان حياله حائراً لا يعرف من أسراره
وخفاياه ألا النزر اليسير ولا يستطيع تخطي الحواجز
المنيعـة للوصول إلى أبوابه الموصدة بأحكام،فظل يتثاءب
وتداعب أجفانه تهويمات حالمة جعلته يعيش في دوامة من
القلق والحرمان.
أن الحياة تمور بصور شتى،وتزدحم بإرهاصات مختلفة،يقف
الإنسان حيالها مأخوذاً بما كان ويكون متلفعاً بأردية
مهلهلة من الصبر،متكئاً على أعواد هزيلة متآكلة ،لا
يمنعه عن السقوط في هذا الخضم ألا بقايا أمل واهن
يجعله متشبثاً بخيوط أوهى من خيوط العنكبوت،تتآكلة
شهوة غامضة،لا تقل عن شهوة الطعام أو شهوة الجنس، أنها
شهوة الأيمان واليقين،وللوصول إليها تراه يلجأ إلى
الاعتقاد بحجر أو صنم أو اله غير منظور،وقد يدفعه
الضعف للاستعانة بالتعاويذ والحجب التي يعملها السذج
والمعتوهين،وهو ليس ساذجاً ولكنه الضعف الفطري يدفعه
للتوسل بها وللاعتماد عليها،والأستسلام
لأوهامها ،تسوقه الفطرة والغريزة للتشبث بالواهي من
الأمور.
أنه يرى كل شيء يتهاوى من حوله، ولا شيء ثابت بل أنه
في تحول من حالة إلى أخرى،فالإنسان يلفه
الموت،والحيوان يستسلم إلى العدم،والأشجار تتساقط
متهاوية نحو الزوال،والكل مدعوون لوليمة ملئت بالسم
النقيع،فيأكلون ويذهبون إلى عالم مليء بالأسرار
والغموض.
أن هذا الضعف هو الذي يدفع الإنسان لإسراج
الشموع،وإشعال البخور في الأضرحة والمزارات،لأنه يريد
الوصول إلى الأيمان بشيء،وليكن ذلك ولياً أو صنماً،اله
من تمر أو اله من حجر، انه يريد الاهاً وحسبه فيه
ملجأً يكنه من هجير الحياة اللافح،ومن زمهريرها
القارص،ألا المفكر الحكيم، فأنه يرفض الاستسلام،ويعاند
على البقاء في صومعته رغم أن ما حوله يتداعى ويتهاوى،
أنه يرفض الزيف،أو الخرافة،أو الركون للمسلمات
الجاهزة.أنه يبحث عن الحقيقة، الحقيقة المجردة،لأنها
أقوى من الأيمان الأعمى،وأبقى من اليقين الواهي.فالشك
ألذي ينوء بألامة أفضل من الزيف الذي يؤرقه كل يوم،فهو
لا يستطيع العيش بأروقة يملؤها الظلال وتعصف بها
المتناقضات،فيبحث في الزوايا عن حل لما يعانيه في
محنته،يراه الناس زنديقاً كافراً،لأنه يلحد بما يؤمنون
به من زيف وظلال وكذب وبهتان،ولكنه يؤمن بما هو أرفع
وأعلا من تفكيرهم وتصوراتهم،ويعيش وسط البراكين ليعرف
ماهيتها ،وكنه صيرورتها،وهم يتلفعون بأردية مهلهلة من
الأفكار الباهتة عنها،أنه يتعرض لأنفجاراتها،وهم
يقبعون بعيداً عنها،قانعين بما هم عليه،راضين بما
صاروا أليه،فهو السوبرمان الذي يواجه الأفكار المشبعة
بسموم الخردل،ليبني على حطامها أفكاره الجديدة المعبرة
عن الحقيقة، الحقيقة المجردة عن الزيف،الحقيقة الكبرى
التي يسعى أليها ألإنسان منذ أن عرف طريق الفكر،وسار
في دروب المعرفة.
وهو لا يعبأ بما يواجهه من صعاب،ولا ما يلاقيه من
عقبات،ولا تهوله المشانق،لأنه يعلم بأن بذرة الفناء
كامنة فيه، ولابد له من السير إلى المرفأ الأخير،فعلية
التصريح بما في نفسه،فما من شيء ثابت وكل ما موجود
يتعاوره الشك،وترفضه الحقيقة. وهناك بون شاسع بين الذي
يعيش وبين الذي يتفرج،فالمتفرج يرى بعينية والذي يعيش
يعاني مرارة التجربة،والحياة مليئة بالمتناقضات،خلقهـا
الإنسان بأنماط مختلفة من التفكير،فالخير يناقضه
الشر،والفضيلة تخالفها الرذيلة
والصدق بنازعة الكذب،والعدل ينافسه الظلم،والذي نراه
رذيلة قد يراه الآخرين من الفضائل،والذي نحسبه ظلماً
هو في جانب آخر منتهى العدل، والمتناقضات وليدة
الضوابط التي وضعناها بأنفسنا،وأخذنا ننوء بحملها
،ونجأر بالشكوى منها،والخوف خلقناه بأنفسنا، فتزاحم في
خيالاتنا وأحلامنا،وغزا تصوراتنا،وأخذ يطاردنا أنى
نكون وأنى نذهب،فأقض مضاجعنا،فاستسلمنا للقلق
ألممض، والحيرة الخانقة،واندفعنا ندور في حلقات مفرغة
تؤدي بنا إلى التشبث
بأوهام زائفة جسدها خيالنا المريض، فتمسكنا
بالقدر،ورمينا على كاهله كل أخطائنا، وتصرفاتنا
الفجة،ولجأنا إليه يدفعنا الإرهاق من هذا الواقع الذي
لا نستطيع تغييره .فسائق السيارة عندما يسير بسرعة
جنونية وترتطم عجلته بعمود النور،نتشبث بالأقدار ونرمي
عليها ما أصابه،فإذا قال أحدهم لو لم يكن متهوراً في
سياقته لما حدث ما حدث له،لوجدنا ألف من يجادل بأنها
أرادة القدر ولا هروب مما تريده الأقدار.
أن الدنيا عبث في عبث،وضياع في ضياع،لأن ما يولد
سيأخذه الموت ولا حق في الاختيار والتصرف،فالأقدار
تدفعنا لما تريد..وأنا عاجز عن مواجهتها لذلك فأن ما
أفعلة لم يصدر عني ولا يعبر عما في نفسي،لأني فاعل
بإرادة غيري..ولكن هل أستطيع ألانسلاخ من واقعي وأكون
حراً..أفعل ما أراه جديراً بي ...؟ إن الحياة طريق إلى
عالم آخر..عالم مجهول بكل ما فيه من تصورات،خلقناه
بعقولنا أشراقة في سمائنا المظلمة..جعلناه مثال لما
نتمنى أن نكون عليه..وضعنا حدوداً وقيوداً على أنفسنا
في هذا الكون ورسمنا عالم آخر..نعيشه بعد الموت..عالم
ساحر يجد الإنسان فيه ما يريد,وينال ما يشتهي،فالحور
والولدان ,وأباريق الخمر والموائد العامرة بأصناف
الطعام،والمتنزهات الفاخرة والقصور الفارهة التي لم
نرى مثيلها في الأرض،فلننتظر الموت بسكون ،ونتجلد في
حمل ما يحدث في هذا العالم..فسوف نسافر السفر الأخير
إلى حيث الحرية والمتعة والانطلاق.
ولكن هل هناك أمل..هل هناك نهاية للوهم..أننا نستطيع
أن نقنع أنفسنا بقبول الواقع بما فيه..أن نقول نعم لمن
يريدها..نعم للأقدار ،نعم نعم للواقع الراهن..نعم نعم
لكل شيء..أن القبول بالقدر... الخلاص من العقل..والعقل
مصدر الغربة في حياة الإنسان..والجاهل من ينعم بحياته
بما فيها،لأنه لا يفكر بأحسن منها.
أن اليأس من تغيير الواقع يدفعنا إلى حيث الملجأ الذي
يوفر لنا القناعة بما نحن فيه فنتدثر بأردية سميكة
تقينا زمهرير الشتاء،ونتلفع بالملأأت الشفافة لنستدر
بها الهواء العليل..ونسير ولكن إلى أين..كل ذلك مجهول
في هذا العالم.
أين يمضي قطار العمر..أنها نفس الصور المتكررة أراها
كل يوم وأعايشها بكل تفصيلاتها المملة..أمارسها بروتين
قاتل..أنام لأصحو..أشرب الماء وأتناول الطعام أحب
وأكره..أتكلم وأصمت أسمع وأرى..أتوقف وأسير..ولكن إلى
أين؟ لا أدري..أنها رتابة مملة..أحلم بالمستقبل وأفكر
بما سأكون ولكنه يصبح حاضرا لا يختلف عن الماضي بصوره
وأحلامه وتطلعاته..صورة مكررة وفلم مصري لا يختلف في
نتائجه وأن اختلفت تفصيلاته.
ولكن كيف أحطم أغلالي..كيف أتخلص من الأصفاد التي
تقيدني..أنها قيود قاتلة فرضتها التقاليد ورسمها
المجتمع ..أنها سياط تلهب ظهري وتحد من تصرفاتي وترسم
لي صور مخيفة مرعبة.
أين الحرية الموعودة ..هل هي في هذا العالم الذي تحده
القوانين وتكبله الأديان..
وتعطله الظروف ، أن الحرية ..أن أكون وحدي في هذا
العالم
..المسيطر
عليه والحاكم بأمره ، عندها أستطيع أن أقول أنا حر..
حر في اتخاذ القرار الذي يناسبني ويحقق ما أصبوا أليه
، أما أن أكون مكبلاً بأصفاد تحد من حريتي ، وقيوداً
تحد من قابليتي .. وحدوداً تمنعني من الوصول إلى
الشواطئ التي أحلم بها
..فهذه
عبودية خانقة ..تجهر على ما في النفس من تطلعات وما
أصبوا أليه من أمال وفي ذلك النهاية لوجودي كإنسان
.
ولكن أين المفر وكل الدروب تفضي إلى مكان واحد ..مكان
لابد من دخوله لأنه المصير المحتوم للإنسان .. ولكن هل
سأجد هناك عالم أخر أستطيع أن أكون فيه كما أريد ...
أم هو ذات العالم الذي خلفته ورائي
لا أدري
...
وسـوف نــرى.
محمد علي محيي الدين
فأين طريقي للخـروج من القبرِ
فلو كُنتُ من ماسٍ بَقيتُ كما أنـا
وكنتُ سليماً لو خُلِقتُ من التِبرِ
**********
(2)
وسائلٌ أيَّ ديـنٍ تؤمنـون بــهِ
فقلتُ قد سئمت نفسي الدياناتِ
إني أرى الخير دينـاً يُستظلُّ بــه
أجدى إلى الناس من كلِّ
العباداتِ
(3)
نالَ الجِنانَ وساحَ فيها لاهيـــاً
مَن عاشَ في بلهٍ غبـياً جاهــلا
وَتَرى الجحيمَ وقودَهُ من شاعــرٍ
أو كاتبٍ أو عبــقريٍ عاقــلا
**********
(4)
إلهي لئِن كانت ذُنـوبـي كثـيرةً
فأنتَ الذي قدَّرت فعليَ أو ذنـبي
فإن كُنتَ تجزي بالإساءةِ مثـلَهـا
فدعني وما قد خِرته لي مِـن دربـي
*****
(5)
عَجِبتُ لِتكوينِ الوجـودِ وسرَّهُ
وعلةَ دُنيـانا وكُــنهَ النواميــسِ
فآناً أرى إني على دينِ أحـمـدٍ
ويوماً أرى إني على ديـنِ إبليــسِ
**********
(6)
وعابوا عليها أن تكونَ رخيصـةً
وفي كلِّ يومٍ بـين حضـنِ خـليـلِ
فقالت وأيـن العيبَ تلك طبيعتـي
وقد شـاءَ ربـي أن يكـونَ سبيـلي
*****
(7)
يا لائِمي إنَّ المعاصي في دمــي
قَبلَ الوجودِ وجو هـرَ التكـويـنِ
فاللهُ قـدَّرَها وإنـي فـاعـلٌ
وَلـهُ القَـرار فـلا تزيد شُـجون
*****
(8)
سأقولُ ما في النفسِ لا جَزَعا بـما
سيكونُ يوماً أو أخـافُ لكائـنِ
إن كان في الُأخرى حكومةُ عادلٍ
فأنـا بحـقٍ كُنـتُ أولَ دائـنِ
******
(9)
ضاعت حياتي فلا حظٌ أفوزُ بـهِ
أو نعمةٌ عِشتُها ما بيـنَ أترابـي
حتى لدى الموت أخشى أن تؤرِقني
تلك الطيوفُ وأحيـاها بإرهـاب
******
(10)
يا صاحِ دَع ذِكرَ الصلاةِ فما بها
أجِـدُ اللّذائذ أو أنـالُ لمطلـبي
فالموتُ يَعدو مِن ورائي طالِبـاً
سَلبَ الحيـاةِ ولـم أحـوزَ لمأربي
*****
(11)
وكأسٌ بِريّاها نَعِمتُ سُويـعَـةً
وقلبي لمـا فيـهِ الخـلاعةَ عاشـقُ
دَع النارَ والجنَّات ملـهاتُ عاشقٍ
وهـات إسقنيها وليـقولـون فاسقُ
****
(12)
تَسائلتُ من أيـنَ الطَريـقَ سَلكتَـهُ
ومِن أيـنَ تَكويـني وأيـنَ بِدايتـي
فأن كان لا شيءٌ بِداياتُ خَلقِنـا
فمن عدمٍ صِرنـا و تلـكَ نـهايتـي
(13)
إذا كُنتَ تُعطينا الِجنانَ لطاعةٍ
و مَـحضُ صِيامٍ أو لأجلِ صـلاةِ
فلا منةٌ فيها عَلينا لأننـــا
شراءٌ أخــذناها وليس هبــاتِ
**********
(14)
ما بين أطيافِ الضَياعِ تَرَعـرَعت
نـفـسي وبين الجوعِ والإملاقِ
وغدوتُ للأُخرى طروباً ضاحِكاً
فإذا حياتـي مِلؤها الإخفاق
******
(15)
إسقنيها صُبحاً وجُدلي مَسـاءً
بِشَرابي فَلِـذَّتـي في الشـرابِ
سوف تمضي الأيامُ فينا سِراعاً
كلُّ شيءٍ يَسيرُ نَـحوَ الخـرابِ
**********
(16)
وأحلُمُ بالنُجومِ كأن نَفسـي
سَـمت بِسُموها فوقَ الأعــالي
وتَصدِمُني الحَقيقةُ حيثُ نَفسي
غَفَت بين الوحـولِ ولا تـبالـي
*****
(17)
لستُ أدري جدوى الحياة ونفسي
إذ أُوارى يومـاً بحالك رِمسي
كيف أنجو منَ المماتِ وَحولـي
تتهاوى النفوسُ من غير حس
***
(18)
إلى أين الهروبُ وكُـلُّ دَربٍ
يؤدي أيـنَ سِرتُ الـى الجَحيـمِ
وما الجِناتُ مِــن أربي لأني
أعيشُ بِلا نعيـمٍ فـي النعيــمِ
****
(19)
أرى الموتَ ميلاداً لِـمَن عاشَ حائِراً
وفي الموتِ عِرفانٌ لِكُلِ الـخُرافاتِ
فإن كانَ ميلادي على الأرضِ مِثلَهُ
فتبـاً له قد ضِعتُ بيـن المتاهاتِ
*********
(20)
واجهتُ عَيشي بالـوِلادَةِ باكِيـاً
وَرَحَـلتُ عَـنه بِالبُـكاءِ مُـوَدِعُ
وأعيشُ بين الزيفِ يؤنِسُ وَحدَتـي
طـيفٌ ولِـكنّ بـانَ خاو يَـخدعُ
*******
(21)
أعيشُ بأعباءِ الذُنوبِ وَوِحدتي
وأرنـو لإحباطـي وذُلَ هَزيـمتي
وأكدحُ والإذلال يُذكي مَصائبي
كـأنـي إبليساً وفارَقتُ جنـتـي
*******
(22)
إن كنتَ شاهدتَ الحياةَ تَغيرت
مـا ذاك غَيـرُ تَغيُّـر الأحــوالِ
صورٌ تَـمُرُّ على الخيالِ تَخالـها
حَقـاً ومـا هـيَ غيُر مَحضِ خيـالِ
***
(23)
ما كان دين رسول الله مسبحةً
وتـمتاتٍ وأذكــاراً وأورادا
وإنما هو أقدام وتـضـحية
ومـوقفٌ يـورث الآتين أمجادا
********
(24)
سَموتُ بعَقلٍ زانهُ العِلمُ حِكمةً
لهُ وَمَضاتٌ أنبَئَت بـجديـدي
وعَطَّرتُ أجواءَ السَماءِ بمقولي
وقد عادَ تَفكيـري دليلُ وَجودي
*****
(25)
يا صاحِ دَعْ عَنك الدُعاءَ و لا تَعُذ
بـاللهِ مـَن شَـرِ الـحسود و غـاسقِ
قد لامَست رِجلاك أطيافُ الثَـرى
مـِثلَ الـنـُجـومِ تَدحرَجت من
حالقِ
**********
(26)
دَعني فما اللومُ الكَثيُر يَصُــدُني
عَـمـا أُريد وَليس ذاك بِـعــائـقي
سَيّانَ إن طـوعاً مَشيتُ لِلـذةٍ
أو لا فَـتِلـكَ إرادةٌ مـن خــالـقي
****
(27)
و(نَعلٌ) لِـمأبونٍ نُقَبِلُ ظُهرَهـا
ونخضعُ إرغاماً لهامَتِنا تعلــو
فَضَعـها كَتاجٍ للرؤوسِ فإنهـا
أكاليلُ غارٍ بورِكـت هذهِ النعـل
****
(28)
عَجِبتُ لِشيخٍ كانَ يَلبسُ عِمّـةً
ثلاثينَ مِتراً أو تزيدُ بأشبــارِ
ويَشمخُ مَزهواً فَتَحسبُ أنـّـهُ
فقيهٌ فأن حاججتَهُ كانَ كالعاري
****
(29)
ومُـحبباً للنفسِ قالَ مُعاتِبــاً
عَجَباً سَلوتَ وأنتَ لا تنسـانـي
فأجَبتَهُ أنـي شُغِلتُ عن الهوى
بالذودِ عن أهلي وعن أوطاني
**********
(30)
ولاحَ ساءه إن قُـلتَ حَقــاً
وإن داجيتَ أو كَنتُ ازدواجي
هَبونـي ما أقولُ فإن عَقــلي
ســما بنقائهِ مثلَ الزُجـــاجِ
**********
(31)
ألا تَعساً لِدَهرٍ عِشتَ فيــهِ
غَدَت أسيادُهُ وِلـد الِهجـــانِ
تَعالوّا بالفِخارِ كما تعـالت
على النيران أمـواجُ الدُخـــانِ
**********
(32)
يشكو مُعانَدةَ الزَمانِ ويَرتجي
بعضَ العَدالةِ من الهٍ عـــادلِ
ويَرومُ إظهارَ الـحَقيقةِ بَعدما
كلَّ الحُقوقِ تَدَنَست بالبـــاطل
*******
(33)
قد صِرتُ مأسوراً لِفَرطِ جَمالهِ
ومُكَبَلاً لِوِصالـهِ بِقيـــودِ
ورأيتُ مِنهُ جَمالَ خَلقٍ سَرّنـي
فهفا الفؤادُ وقال ذا معبـودي
**********
(34)
أظما و أمواهُ الفُراتِ بِجانـبي
وأجوعُ يوماً والمَوائدُ دونـي
لا الجوع يُدني مِن سموِّ مَبادئي
يوماً ولا نَزَقُ الصِبا يُطغيـني
******
(35)
لله من زمنٍ بهِ يَسمو الــذي
قَـد كانَ دوماً آخِرَ الأقرانِ
أنّ الخفيفَ هوَ الذي يَعلو على
وزنَ الثقيلِ بِكفةِ الـميـزانِ
**********
(36)
قالوا رِعاعٌ لا تُراعِ لبأسهم
مِـثلَ الفُقاع وَرغوة الصابونِ
كَذَبوا فما شَعبُ العِراقِ بعاجزٍ
يومـاً ولا ساسوهُ بالقانـونِ
****
(37)
قد ضاعَ شَعبي وأستَدر ضُـروعهُ
عـتـلٌ زنـيـمٌ للـرعيةِ سائسُ
إذ آزرتــه إرادةٌ عـلــويـةٌ
شـاءت بـأن نـغدو لديه دحائس
الدحس -إدخال الشيء في إناء أي إخفائه (المحيط في
اللغة مادة دحس)
**********
(38)
قالوا غَلوتَ بـما إعتقدتَ وأنتَ ذا
في الرأي حديٌّ بهِ مُتَطَـرفُ
إن الـحَقائِقَ في الزمانِ تغــيرت
وعفا الجهيُر بها وضاعَ الُمنصِفُ
******
(39)
سما العَقلُ ما فوقَ الدياناتِ كُلِها
وقَلبي الذي كان الدليلُ لأيماني
وناقشتُ في فكريِ العِباداتِ جُملةً
فكانَ دَليلي في العبادةِ وجداني
**********
(40)
ألهي لنا عَتَبٌ عَليكَ وَرُبَـما
يَكونُ عِتابـي فيهِ بعضَ المـآثِمِ
خلقتَ إلينا الأغبياءَ مَصيبةً
أليسَ بكـافٍ خَلقُ تِلكَ البهائمِ
***
(41)
ويَسخَرُ عَقلي بالتقاليدِ كُلَّـهـا
ويَرفُـضُ قلـبي أو يعارضُ وجداني
وتسألني نفسي الدَليلَ فلم أجـد
جـواباً يكّن فيهَ الدليل وبرهـاني
**********
(42)
قد دَمَّر العالَمَ الأرضيَّ شِرذِمــةٌ
لها عقولٌ ولكن كــالشياطينِ
لو كانَ ضِمنَ اختياري كُنتُ أجعلهم
بِلا عقولٍ حيارى
كــالَمجانينِ
****
(43)
ويعذِلُني صَحبي لِقولي تَغَــزُلاً
وقد بانَ شيبي مؤذِناً بذهـابـي
دعوني وشيطاني أُناجي كَعبَتـي
فذا اليـومُ عُنوانٌ لِبَدء شَبابـي
**********
(44)
لا يَغُرَنَكَ ما تَرى مِن جُسومٍ
لرجـالٍ كـأنـها الجامـــوسِ
فلئِن يَملئوا العيون مَكــاناً
فهـُم كالفـراغ وسط النـفـوسِ
*****
(45)
أغني بأفكارِ الشبيبةِ ناسيــاً
مشيبي فيصفو فيه عيشي ويلطفُ
كأني أبنُ عشرين أعيشُ للذتي
وليسَ لما قد نالني اليوم أأسف
***
(46)
ضاعت حياتي بينَ كأسٍ مترعٍ
نشوانُ للحورِ الحسانِ أدغدغ
حيرانُ بينَ اللذتين كأنــني
أيما أكونُ فسوف يوماً ألـدغُ
***
(47)
كم طُفتُ بالكونِ لا أبغي بذاك سوى
علمٌ أُنمي به فكري و إحساسي
فهالني أن أرى أنّ العُلومَ غَــدَت
في الناسِ حيرى وداعيها بإفلاس
******
(48)
وقالوا حُجّـةُ الإسـلامِ هــذا
وذلـك أيـةُ الـعـصرِ الـمجددْ
وهذا مَرجِـعٌ في الـديـنِ أعـلى
فـَضيعـتُ الـطريقَ لـمن أُقـلِدْ
*******
(49)
خُذ ما أردتَ من الحياةِ ولا تَدَع
من لـذةٍ وأترع ثِمالَ الكاسِ
فلَسوفَ لا نَجِدُ اللذائِذَ في غدٍ
وتَظـلُ تـبكي خيبةَ الإفلاس
**********
(50)
و منتهى أملي إصلاحُ فاسِدِهِم
و ارتجي أنّ يكونَ الفِكرُ موزونا
قد يهدمُ الذوقَ إفلاسٌ لمعتقـدٍ
كما يُعابُ أديبٌ قالَ ملحــونا
***
(51)
أينَ الذينَ مَضوا وغابَ ضَجيجُهُم
بينَ القُبورِ كأنـهم ما كـانــوا
فأحصُد جناكَ من الحياةِ فَكُلُ ما
قد صَوَّروهُ لِـرَدعِنــا بُهتــانُ
**********
(52)
فَكَّرتُ في الدُنيا وما دانَت بــهِ
وبقيتُ في شكٍ بـها ويقـينِ
وتعَدَدَت عِندي الدروب فَرَدَنـي
قَلبي إلى ما حُـزتُ بالتلقيـنِ
******
(53)
لو كانَ أمري إختياراً ما غدوتُ بها
كالثور يَحمِلُ أسفاراً من الكُتُبِ
لكنَّ منَّ شاءَ قد شاءَت إرادَتُــهُ
أن يبتلينا وبَلوانا بِلا سَبَــبِ
**********
(54)
قالوا لَكَ الصَبُر الـجَميلُ تَعِلـةً
فَدَعِ العَداءَ وعِش بـها بأمـانِ
فأجَبتُهُم الـنارُ تَكوي أضلُعـي
والانتقام مَسرّةُ الرحـمـــنِ
***
(55)
تُسائِلُني نَفسي وتَحسَبُ أننـي
عـَلـيمٌ بأدواءِ الـحياةِ خَبـــيرُ
أحَقاً غَداً تَصفو النُفوسُ وتَلـتَقي
فـَقُلـتُ سَراباً مـا تَريـنَ كَبــيرُ
**********
(56)
لَهَفي على النَفسِ قَد زادَت شَقاوَتَها
فقد نأى العُمرُ وإستَشرى بها العَدمُ
قد جِزتُ في العُمرِ خمسوناً فوا أسفي
ما كانَ فيـها هَنائي …إنَّـه الألمُ
******
(57)
فَدَع عَنك لغوَ الضارِعاتِ بِلوعةٍ
فَليسَ بِمُجديكَ الضَجيجُ ولا اللَّغَطُ
فَسوفَ يَواروكَ التُرابَ بِـحُفرَةٍ
ولا بُـدَّ يوماً مِنكَ يُستَخرَجُ النِفـطُ
**********
(58)
يَقولونَ لـي رِفقاً بِنَفسِكَ وأتئِد
وكُن في تـعاطـي كـأسِها مُتَرَفِــقُ
فَقُلتُ هيَ الدُنيا التي قد عَشِقتُها
وشيطانُ شِعري كأسُـها المُـتـَدَفِــقُ
******
(59)
قالوا فُلاناً باتَ يَملِكُ مَصنَعاً
وينالُ ما تَصبو إلـيه الأنفُـسُ
لو يَـملِكُ الدُنيا وما دانَت بهِ
من دونِ عِلمٍ كان عِندي مُفلِسُ
**********
(60)
مَضَتَّ تَحبو السِنين مُحَمَّلاتٍ
بآلامٍ وآلاف المشاكــلْ
فَظَلَّ الشَعبُ يَرزَحُ في قُيودٍ
صَبوراً خِلتَهُ أسَداً بِبابـلْ
*********
(61)
وُلِدنا كالحَميرِ نَدينُ دوماً
بِـما قد دانَ فـيه الوالدانِ
فإن كانوا نَصارى عَمَّدونا
وإسـلامٌ إذا هُم مـسلمان
*****
(62)
تَناءى بِكَ الرَكضُ خَلفَ الكِـبارِ
كأنـّكَ تـَلـقى بـِذا السؤدَدُ
وصِرتَ كَبوقٍ لِمن سَـخَّـروك
كأنـكَ عـَبدٌ وَهـُم سَـيُّـدُ
**********
(63)
خمسون عاماً ألـمُّ الزيت في شغفٍ
علي أرى النور زاهٍ في مصابيحي
فأحرقتْ شعلةٌ زيـتي وساعدها
مسيِّرُ الكونِ بــالأنواء والريح
*****
(64)
دَعَّ عَنك هَمٌ تَغَشّى خافِقيك فما
جَدوى الُهموم وعـيشٌ مِلؤه قَلَقُ
شاءَ القَضاءُ وللأقدارِ صولَـتُها
فلا تُبَدَّلُ أقدارُ الـذي خُلِـقـوا
***
(65)
أخَذتُ مِنَ الدُنيا الذي قد أخَذتُهُ
فما شَبِعَت نَفسي وَراحَت لَذاذاتي
وخِفتُ لِـما بَعدَ المماتِ فَشوَّهَت
جَمالَ حَياتي خوفَ تِلك الجَهالاتِ
*****
(56)
|